مقالات الظهيرة

(همس الأربعاء) خالد أمين زكي يكتب… هل يوفي القيصر للسودان؟

حين تضيق الحلقات بالبلاد، ويقف السودان في مفترق طرق تتقاطع فيه بوارج الأمم وأطماعها، يتسلل إلى الأسماع ذلك السؤال القديم الجديد: **هل يوفي القيصر للسودان؟**

سؤال يُطرح بصيغ مختلفة في مجالس الخرطوم، ويتردد صداه بين ردهات الدبلوماسية المكتومة. والحق أن الإجابة لا تسكن في طيات الخطب الحماسية، ولا في زوايا الوعود المطعونة ببرود المصالح الدولية؛ فالإمبراطوريات لا توزع عطاياها بالمجان، والسياسة الروسية تحديداً لا تحركها عواطف التاريخ بقدر ما يضبط بوصلتها عقارب الساعة البراغماتية.

لو قرأنا المشهد بعين الردى والإنصاف، لادركنا أن موسكو لا ترى في السودان مجرد قضية إنسانية تستوجب النجدة، بل تراه مفتاحاً ذهبياً لباب البحر الأحمر وخاصرة إفريقيا الرخوة. تلك المياه الدافئة التي طالما حلمت بها أسطورة القطب الشمالي لم تعد مجرد ترف استراتيجي، بل باتت ضرورة قصوى في معركة إعادة تشكيل النظام الدولي وكسر الطوق الغربي. من هنا ينطلق القيصر؛ عين على الموانئ وأخرى على توازنات رقعة الشطرنج العالمية.

لكن، ماذا عن أهل البيت؟

الواقع المرير يقول إن المواطن السوداني الذي أنهكه لهيب الغلاء وضنك العيش، لا يلوذ بالشعارات، بل يبحث عن طوق نجاة واقعي يسعف لقمة عيشه. وحين تتقاطع خطوط الدعم الروسي مع الأزمة الاقتصادية، يبرز التساؤل المُلِحّ: هل يمتلك القيصر رغبة حقيقية في شراكة تحفظ ما تبقى من سيادة هذا الشعب، أم أن السودان بالنسبة للكرملين مجرد محطة عابرة في صراع كسر العِظام مع واشنطن والغرب؟

التجارب علمتنا أن الكبار لا يحترمون إلا من يحترم نفسه أولاً. فالقيصر لن يمد يد العون استجابةً لرجاءات دبلوماسية خجولة، بل سيحسب لكل خطوة ألف حساب إن وجد في المقابل سلطة واعية، تعرف ماذا تريد، ولا تضع بيضها كله في سلة محاور مهتزة.

الوفاء في قاموس السياسة الدولية ليس قيمة أخلاقية، بل هو حاصل ضرب القوة في المصلحة. وعليه، فإن أراد السودان من القيصر وفاءً، فعليه أولاً أن يرمم بيته من الداخل، وأن يدير أوراقه بذكاء وندية، بحيث تصبح مصلحة موسكو متقاطعة تماماً مع عافية السودان واستقراره.

أم غير ذلك.. فسنبقى ننتظر، والزمن كفيل بأن يجلو الغبار عما تخفيه كواليس السياسة وأروقة الكرملين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى