جبر الخواطر.. هبة إلهية لا تُعطى إلا لقلة من البشر!!
بقلم: علاء الدين محمد أبكر:
جبر الخواطر عبادة عظيمة، وقربة جليلة، لا يوفق إليها إلا القليل. هي خصلة لا تُشترى بالمال، ولا تُنال بكثرة الشهادات، ولا بالجاه والمنصب، بل هي هبة ربانية ومنحة إلهية يودعها الله في قلوب من اصطفاهم من عباده.
أن تجبر خاطر منكسر، أن تمسح دمعة حزين، أن تقول كلمة طيبة لقلبٍ أتعبته الحياة، تلك والله هي التجارة الرابحة.
هناك أناس إذا سمعوا بأن هناك محتاجاً، أو مريضاً طريح الفراش، أو مفجوعاً فقد عزيزاً، أو طالباً تعثرت به سبل الدراسة، سارعوا إليه، ولو بالقليل. لا ينتظرون شكراً ولا جزاءً، ولا يبحثون عن شهرة أو رياء، بل يفعلون ذلك لأن قلوبهم لا تحتمل رؤية الألم دون أن تتحرك.
هؤلاء في الحقيقة لا يعطون الناس، بل يعطون أنفسهم. فهم يرفعون رصيدهم عند الله، رصيد من الحسنات الباقيات، التي لا تضيع في زحام الدنيا، ولا تنسى في صحائف السماء. “وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيراً وأعظم أجراً”.
وعلى النقيض، هناك من أنعم الله عليهم بالمال الوفير، والخير الكثير، فيكنزون الذهب والفضة، ويحسبون أن ما جمعوه هو الذي يخلدهم. يمرون على الفقير فلا يلتفتون، ويسمعون أنين المريض فلا يتحركون، حتى إذا جاء يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، تمنوا لو أنهم قدموا لحياتهم.
لو يعلم الناس ما في الإحسان إلى الفقراء من بركة في الرزق، وسعة في الصدر، ودفع للبلاء، وستر في الدنيا والآخرة، لتسابقوا إليه زرافات ووحداناً.
إنك حين تطعم جائعاً، كأنما أطعمت نفسك يوم تجوع القلوب. وحين تكسو عارياً، كأنما كساك الله يوم العري الأكبر. وحين تعالج مريضاً عجز عن ثمن الدواء، كأنما داويت قلبك من قسوته.
ولهذا كانت هذه النعمة اصطفاءً، فليس كل الناس يوفق إليها. فمنهم من يملك المال ولا يملك الرحمة، ومنهم من يملك العلم ولا يملك اللين. أما من رزق المال والرحمة، والعلم والتواضع، فذاك الذي اختاره الله ليكون مفتاحاً للخير، مغلاقاً للشر.
لو كان الأمر بيدي، لكتبت أسماء هؤلاء المحسنين في لوحة الشرف، وجعلتهم قدوة للأجيال، ولكن الأجمل أن تظل أسماؤهم خفية، يعرفها الله وحده، فالله أعلم بهم، وهو الذي سيجزيهم الجزاء الأوفى.
طوبى لمن جعله الله ملاذاً للمنكسرين، وملجأ للمحتاجين، وسنداً للضعفاء. طوبى لمن خصه الله بقضاء حوائج الناس، ولهفة الملهوف، وإغاثة الموجوع، وإطعام الطعام، وعلاج المريض.
هؤلاء هم أهل الله وخاصته، رضي الله عنهم ورضوا عنه، وخصهم بهذه المنزلة الرفيعة.
اللهم اجعلنا منهم، ولا تحرمنا لذة جبر الخواطر، واجزِ المحسنين خير الجزاء، فأنت القائل وقولك الحق: “إن الله لا يضيع أجر المحسنين”.
علاء الدين محمد ابكر alaam9770@gmail.com .



