(نقطة ضوء) سفيان عبدالغفار ابومحمد يكتب… الذين لا يراهم أحد!!

كان سقراط يتمشى ذات يوم مع غلوكون شقيق أفلاطون، فحكى له غلوكون قصة راعٍ من مملكة ليديا. وجد الراعي خاتماً عجيباً، فلما وضعه في إصبعه انتبه إلى أمرٍ مدهش: إن أحداً لا يراه. ذلك الخاتم السحري يجعل صاحبه غائباً عن الأعين، حاضراً في الأفعال.
وتفلسف الرجلان طويلاً حول التفرعات الأخلاقية للقصة: أيسرق حامل الخاتم؟ أيظلم؟ أيخون؟ ولكن العجيب أن أحداً منهما لم يسأل سؤالاً أهم: ولماذا كانت النساء والعبيد في أثينا غير مرئيين أصلاً، وهم لا يضعون خواتم سحرية؟
مات سقراط ومات غلوكون. ودارت عجلة الزمن ألفين وخمسمائة عام. تقدم العلم، واتسعت المعرفة، ودُحضت الأساطير، وتبين أن لا خواتم سحرية في هذا العالم.
أما الشيء الوحيد الذي لم يتغير، فهو أن بقي بيننا أناس لا يراهم أحد.
1. جنود الخفاء في بيوتنا وشوارعنا
عن ربات البيوت أتحدث. أولئك اللواتي لا تدرجهن وزارة العمل في سجلات “العاملين”، ولا تدرجهن وزارة الدفاع في سجلات “الجنود”.
ومع ذلك فوالله إن كان في هذا العالم من يعمل فهن، وإن كان من يقاتل بشراسة لأجل قضية شريفة فهن أيضاً.
يقاتلن في معركة الغداء والعشاء، وفي حرب الواجبات المدرسية، وفي جبهة المرض والسهر، وفي حصار الميزانية آخر الشهر. يغسلن ويطبخن ويربين ويعلمن ويُسعفن ويُسكن. فإذا أتقنّ كل شيء قيل: “إنها مجرد ربة بيت”.
2.عن سواعدالوطن التي لا تُصافح
عن العمال البسطاء أتحدث.
عن العتالين في المرافئ الذين تحمل أكتافهم اقتصاد أمة، فإذا غابوا لم يُفتقدوا، وإذا حضروا لم يُأبه لهم.
عن صبيان الميكانيكيين الذين تسود أيديهم بالشحم لتبيض وجوهنا.
عن العجوز التي تفترش الرصيف تبيع بضاعة مزجاة، ترفض أن تمد يدها للناس، فتمد كرامتها بدلاً منها.
عن الآباء الذين يفلقون صخرة الحياة بحثاً عن رغيفٍ لأبنائهم وكتاب.
عن سائقي سيارات الأجرة، وعن كُنّاس الطرقات الذين يستيقظون قبل الفجر ليوقظوا المدينة نظيفة.
وعن سائقي سيارات الإسعاف الذين يسابقون الموت، فيصلون بالمريض وبه رمق من حياة، فلا يراهم أحد، لأن الجميع سمروا أعينهم تجاه الطبيب ونسيوا من جاء به.
هؤلاء هم طعم العالم ونكهته. هؤلاء هم البشر مع مرتبة الشرف الأولى.
3. المكسورون في صمت
عن اللواتي تأخر بهن الزواج أتحدث. يمتن ألف مرة شوقاً لطفلٍ وحبيب، حالت بينهن وبين أمانيهن عادات بالية نعلقها على مشجب “النصيب”. ونقول عنهن ببرود: “إنهن بخير”.
تباً لنا، إنهن لسن بخير.
وعن الشباب المكبلين بأصفاد المهور الغالية، والوظائف المفقودة، والبيوت المستحيلة أتحدث.
المحاصرين بعالمٍ يراودهم عن أنفسهم كل يوم. عالمٍ حقيرٍ بإعلامه الهابط، وبسياسييه اللصوص، وبفنٍ مثيرٍ للغرائز.
ولكنهم ما زالوا على الطريق. يمشون إلى المساجد وفي أعماقهم ألف حرب تدور. ويراقبون الله رغم أن الحرام يسير، والدنيا تصرخ فيهم صراخ امرأة العزيز ليوسف: “هيت لك”.
فيقولون: “معاذ الله”.
وعن الكثيرين ممن لم أذكرهم أتحدث، لأنني لم أرهم أنا أيضاً.
لقد كان خاتم غيغس أسطورة، ولكن خاتم النسيان الاجتماعي حقيقة. نحن نلبسه لغيرنا كل يوم. نجعلهم شفافين بأعيننا، فلا نراهم.
“نقطة ضوء” اليوم:
إن لم يرك الناس، فلا تبتئس.
إن لم يصفقوا لك، فلا تحزن.
يكفيك أن الذي خلقك يراك.
والذي رزقك يراك.
والذي سيحاسبك يراك.
والتاريخ لا يكتبه أصحاب الأضواء دائماً. كثيراً ما كتبه المجهولون، بعرقهم، وبصبرهم، وبدموعهم التي لم يرها أحد.
فارفع رأسك أيها المجهول. أنت لست غائباً. أنت الأصل. أنت الأساس. أنت من يقوم عليه هذا العالم.



