(نقطة ضوء) سفيان عبدالغفار ابومحمد يكتب… حينما تفشل البندقية.. يلجأ الجنجويد لحرب الظلام!!

لم يكن استهداف محطتي كهرباء الدبة وأبو حمد صباح اليوم عملاً عسكرياً، ولم يكن صدفة، ولم يكن حتى محاولة يائسة لتحقيق نصر ميداني. كان إعلاناً صريحاً عن الإفلاس. إفلاس الميدان، وإفلاس الأخلاق، وإفلاس المشروع كله.
عندما تعجز المليشيا عن مواجهة القوات المسلحة السودانية في كردفان ودارفور، وعندما ترى خرائط السيطرة تنحسر من تحت أقدامها كل يوم، وتسمع وقع أقدام الجيش يتقدم بثبات، لا تجد أمامها سوى سلاح الجبناء القديم: حرب الجبهة الداخلية.
هذه سياسة قديمة، درستها كل الحركات المتمردة الفاشلة عبر التاريخ. القاعدة بسيطة وخبيثة: إذا عجزت عن كسر الجيش في الميدان، فاكسر الحاضنة التي يقف عليها. اضرب الكهرباء، اقطع الماء، أحرق الأسواق، دمّر المستشفيات، عطّل الاقتصاد. اجعل المواطن البسيط يعيش في الظلام، ويتألم، ويتضجر، لعله يصرخ في النهاية في وجه جيشه: كفى.
لكن من يخططون لهذه السياسة لا يفهمون الشعب السوداني، ولا يقرأون تاريخه.
يا مليشيا، يا من تظنون أنكم بقطع سلك كهرباء ستلوون ذراع القوات المسلحة، أنتم واهمون. القوات المسلحة لا تقاتل بالكهرباء، تقاتل بعقيدة. وعقيدتها هي هذا الشعب. وما تفعلونه اليوم لا يضعف هذه العلاقة، بل يصب عليها من فولاذ.
كل صاروخ مسيّر يضرب محطة خدمية، هو في حقيقة الأمر رصاصة تطلقونها على ما تبقى من قبول لكم في قلب أي سوداني. كنتم تتوهمون أن هناك من لا يزال على الحياد، بهذه الأفعال أنتم تحسمون أمره، وتدفعونه دفعاً ليكون جندياً في صف الجيش، ولو بالدعاء.
إن الشعب الذي صبر على فقد بيته وماله وتهجيره القسري، لن ينكسر بانقطاع التيار الكهربائي لساعات. الشعب الذي رأى أبناءه يُقتلون ونساءه تُنتهك على أيديكم، لا يمكن أن يأتي اليوم ليصافحكم لأنه انزعج من الظلام. بل على العكس، كل دقيقة ظلام تذكره بمن السبب، وكل قطرة عرق في هذا الحر تذكره بمن أشعل هذه الحرب.
أنتم بهذا الاستهداف الممنهج لمراكز تقديم الخدمات، ترتكبون خطأ استراتيجياً قاتلاً. أنتم تظنون أنكم تخلقون فجوة بين الشعب وحكومته وجيشه، والحقيقة أنكم تردمونها. تردمونها بالغضب، بالثأر، بالإصرار الشعبي العارم على ضرورة استئصالكم من جذوركم.
اليوم، بعد استهداف الدبة وأبو حمد، لم أسمع مواطناً واحداً يلوم الجيش، سمعت الآلاف يقولون: “حسبنا الله ونعم الوكيل في الجنجويد”. سمعت الغضب يتحول إلى دعاء، والدعاء يتحول إلى عهد، والعهد يتحول إلى تمسك أكثر بالدولة ومؤسساتها.
هذه هي نقطة الضوء في عتمتكم التي تحاولون نشرها. كلما أطفأتم نوراً في محطة، أضأتم نور الوعي في ألف عقل. كلما حاولتم كسر إرادة الناس، صنعتم منهم جيلاً لا يعرف المساومة.
إن حرب الجبهة الداخلية سلاح لا يستخدمه إلا المهزوم. والمهزوم لا يقرر مصير الشعوب. الشعب السوداني قال كلمته، وهو يزداد كل يوم تمسكاً بقواته المسلحة، وحكومته الشرعية، وحقه في وطن بلا مليشيا.
فاضربوا ما شئتم من المحطات، فمولدات الصبر عندنا لا تنطفئ، وبطاريات الكرامة عندنا لا تفرغ، وكهرباء هذا الشعب موصولة مباشرة بقلب جيشه، وهذا تيار لا تستطيع مسيّراتكم قطعه أبداً.
هيهات.. والله هيهات.



