سد النهضة.. خنجر في خاصرة السودان!!
بقلم: علاء الدين محمد أبكر
نعم، من حق إثيوبيا أن تنهض، ومن حقها أن تبني السدود لتوليد الكهرباء، فالتنمية حق مشروع لكل الشعوب، ولا أحد في السودان ضد تنمية إثيوبيا. ولكن هناك فرق كبير بين أن تبني سداً للتنمية، وأن تبني سداً كسلاح استراتيجي لتجويع وتعطيش جارك وإخضاعه.
وهذا بالضبط ما فعلته إثيوبيا بسد النهضة.
لقد انشغل الإعلام العالمي كثيراً بضرر السد على مصر، وتحدث عن حصتها التاريخية، بينما الحقيقة الصادمة التي يتجاهلها الكثيرون هي أن السودان هو المتضرر الأول والأكبر والمباشر، والسودان هو من دفع الثمن قبل مصر بسنوات.
لماذا السودان أولاً؟
لأن الجغرافيا لا تكذب. سد النهضة مبني على النيل الأزرق، والنيل الأزرق هو الذي يمد السودان بـ 68% من مياهه، وهو الذي يغذي كل مشاريعنا الكبرى: سد الروصيرص، وسد سنار، ومشروع الجزيرة، ومشروع الرهد، ومشروع السوكي، وكل الزراعة المطرية والمروية على ضفاف النيل الأزرق من الدمازين حتى الخرطوم.
عندما تحجز إثيوبيا عشرات المليارات من الأمتار المكعبة خلف سدها العملاق، فهي لا تحجزها من فراغ، بل تحجزها من حصة كانت في طريقها إلى الروصيرص. والروصيرص بالنسبة للسودان ليس مجرد سد، بل هو المنظم والقلب الذي يضخ الحياة لمشروع الجزيرة، أكبر مشروع تحت إدارة واحدة في العالم، والذي يعتمد عليه أكثر من 5 ملايين أسرة سودانية بشكل مباشر.
فإذا عطش الروصيرص، ماتت الجزيرة. وإذا ماتت الجزيرة، جاع السودان.
وهذا ما بدأ يحدث بالفعل على الأرض، وليس كلاماً نظرياً.
لقد جف النيل الأزرق في مناطق لم تجف منذ مئات السنين. في مناطق عديدة من النيل الأزرق، خاصة المناطق المنبسطة في ولايتي سنار والنيل الأزرق، انحسر النهر لدرجة أن الأهالي أصبحوا يعبرون إلى الضفة الأخرى سيراً على الأقدام، والنساء يحملن الغسيل ويمشين وسط مجرى النهر الذي كان في مثل هذه الأيام يفيض ويهدر ويغمر الجروف.
المزارعون على ضفاف النيل الأزرق يشتكون أن طلمبات الري أصبحت لا تجد ماءً ترفعه، وأن الجروف التي كانوا يزرعونها بالخضروات والذرة أصبحت أرضاً قاحلة متشققة. الصيادون توقفت مراكبهم. حتى مياه الشرب في بعض القرى أصبحت شحيحة.
إثيوبيا تقول إنها تحتاج الكهرباء، ونحن نقول لها: إثيوبيا ليست في حاجة لكل هذه الكمية الهائلة من التخزين.
إثيوبيا بلاد الهضاب والأمطار الغزيرة التي تهطل 8 أشهر في السنة، لديها أكثر من 12 نهراً كبيراً، ولديها بحيرة تانا التي تعتبر أكبر خزان طبيعي في أفريقيا، ومعدل هطول الأمطار فيها يزيد عن 2000 ملم في السنة. فلماذا الإصرار على تخزين 74 مليار متر مكعب في سد واحد؟ ولماذا الإصرار على الملء في سنوات الجفاف؟ الجواب واضح: السد ليس للكهرباء فقط، بل هو سلاح سياسي للتحكم في قرار السودان ومصر، وورقة ضغط لتدمير السودان اقتصادياً.
إن إثيوبيا تستخدم المياه كسلاح، وهذا أخطر أنواع الحروب في القرن الحادي والعشرين، حرب المياه.
لقد تحدثنا قبل سنوات، وكتبنا عشرات المقالات، وحذرنا من أن سد النهضة سيحول النيل الأزرق إلى ترعة صغيرة تفتحها إثيوبيا متى شاءت وتغلقها متى شاءت. ولكن لا حياة لمن تنادي، فقد كانت الحكومات المتعاقبة منشغلة بصراعاتها الداخلية، بينما إثيوبيا تمضي على قدم وساق في تنفيذ مخططها.
واليوم، المخطط يكتمل.
لذلك، يجب على السودان أن يتحرك الآن، قبل فوات الأوان، في ثلاثة مسارات:
المسار الأول: قانوني ودولي عاجل، بالتحرك مباشرة إلى مجلس الأمن الدولي ومحكمة العدل الدولية، باعتبار أن ما تقوم به إثيوبيا هو تهديد للسلم والأمن الدوليين، وخرق واضح للقانون الدولي للأنهار العابرة للحدود، الذي يمنع أي دولة منبع من إحداث ضرر جسيم بدول المصب. يجب إجبار إثيوبيا على اتفاق قانوني ملزم لتقاسم المياه، وليس مجرد تفاهمات شفهية.
المسار الثاني: أفريقي، على الاتحاد الأفريقي الذي يجلس في أديس أبابا ويسمع أنين السودان، أن يتحمل مسؤوليته الأخلاقية. كيف يتحدث الاتحاد الأفريقي عن الأمن الغذائي الأفريقي وعن أجندة 2063، وهو يصمت على تجويع سلة غذاء أفريقيا الحقيقية؟ السودان هو الذي كان مرشحاً ليطعم أفريقيا كلها بمشروع الجزيرة، فكيف يسمح الاتحاد بتعطيشه؟
المسار الثالث: إعلامي وشعبي، يجب أن يعرف كل سوداني أن قضية سد النهضة ليست قضية حكومية، بل هي قضية وجود، قضية لقمة عيشه، وقضية ماء شربه. يجب إبعاد الأجندة السياسية الضيقة عن الموارد الطبيعية. مياه النيل هبة من هبات الله، ملك لكل شعوب حوض النيل، وليست ملكاً لنظام سياسي في أديس أبابا يقرر مصير شعب بأكمله.
في الختام، السودان بلد صابر، لكن صبره على العطش لن يطول. السودان الذي صبر على الحروب، لن يصبر على من يقطع عنه شريان الحياة.
اللهم عليك بكل من ينوي الإضرار بالسودان وشعبه، اللهم من أراد بنا سوءاً فاجعل كيده في نحره، اللهم احفظ نيلنا من العبث، واحفظ أرضنا من الجفاف، واحفظ سوداننا من كيد الكائدين والطامعين.
علاء الدين محمد أبكر
alaam9770@gmail.com



