(من همس الواقع) د.غازي الهادي السيد يكتب… عيد الأضحى.. بين العادة والعبادة!!
إن عيد الأضحى في جوهره مناسبة دينية عظيمة، تحمل معاني الطاعة،والتكافل والتضامن الإنساني،فهي ليست استعراضاً للقوةالمالية الشرائية،وليست عملاً اجتماعياً لإرضاء المجتمع أو ارضاء الأسرة.
بل سنة مؤكدة وشعيرة اسلامية مرتبطة بالإستطاعة،هدفها التقوى كما قال الله تعالى:(لن ينال الله لحومها ولادماؤها ولكن يناله التقوى منكم).
غير أن هذه الشعيرة خرجت في كثير من المجتمعات عن معناها وأُفرغت عن مضمونها الروحي الديني لتتحول إلى عادةإجتماعية مُفرغة عن قصدها ومحتواها،حيث صارت عند البعض للتباهي والإستعراض المالي.
وقد تحولت في كثير من المجتمعات من سنة (من استطاع إليه سبيلا) إلى السعي إلى احضارها مهما كلف ذلك ديناً أو بيعاً أورهناً لبعض أثاث البيت،وكل ذلك خوفاً من نظرة المجتمع، متناسين أن بعض الصحابة لم يضحوا ث،وحتى من ضحى منهم أحيانا لم يكلف نفسه فوق طاقته من أجل ذلك،فنجد بعض
الصحابةرضوان الله عليهم قد فهموا أن الأضحية تقوم على التيسير ورفع الحرج،فأين البعض ممن يغرقون في التشديد والتدقيق؛عن قرون الكبش
وسواد عينيه،ولونه، وغيرها.
فقد يُروى عن سيدنا بلال أنه قال “ما أبالي لو ضحيت بديك،ولَأَنْ أتصدق بثمنها على يتيم،أحبّ إليّ من أُضَحِّي بها”، وقد ورد أن بعض الصحابة،مثل ابن عباس رضي الله عنهما، كان أحياناً يُوكل بشراء لحم في يوم العيد ويوزع منه،ويخبر الناس أن هذه ليست أضحية بالمعنى الشرعي، بل توسعة على العيال وللفقراء،حيث يؤكد علماء الأمة أن صون الكرامة وسد الحاجات الأساسية للأسرة مقدمٌ عند الله عز وجل على التكلف.
فالدين قائم على الاستطاعة في العبادة،حيث يقول المولى عز وجل:﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾،فالدين الإسلامي دين رحمة وتيسير، وليس دين مشقةولايكلف النفس فوق طاقتها، فالأضحية سنة عظيمة لمن استطاع إليها سبيلاً،لكنها ليست سببًا لإثقال كاهل الأسر بالديون أوالهموم.
فقد صار بعض الآباء مع اقتراب عيد الأضحى، يعيشون ضغطا نفسيا متزايداً بسبب التفكير المستمر في اقتناءالأضحية، خاصة في ظل غلاء الأسعار الذي يُقابله انخفاض الأجور التي لم تعد تواكب الغلاء،مع تراكم الأعباء المعيشيةواعباء التعليم والصحة وغيرها من متطلبات الأسرة.
وهذا ماصار يُقلق كثير من الأسر ويشكل لهم هاجس يومي يرافقهم خلال الأسابيع التي تسبق المناسبة،فالذي جعل العيد يشكل هاجساً عند بعض الأسر هو تحوله عندهم من عبادةخالصة إلى عادة أو مظهر اجتماعي.
فقد ضاعت روح الأضحية في بعض المجتمعات منذ أن صار الخروف يُشترى لإفراح الأطفال وليس من أجل التقرب لله،ومنذ أن صار للتباهي باسعاره في الوسائط والسوشال ميديا،ومنذ أن صارت لحومها تخبأ في الثلاجات وليست للفقراء والمساكين منها نصيباً،فقد أصبح البعض يقيس نجاح المناسبة بحجم الأضحية أوثمنها،ومن لايستطيع شراءها يُعد مقصراً في نظر بعض البعض.
لأنه لم يلجأ للإستدانة واثقال كاهله بالديون،رغم أن الشريعة رفعت الحرج عن الذي لايستطيع أو غير قادر على شرائها،فهذه السلوكيات تُفرغ العيد من أبعاده الحقيقية.
فعيد الأضحى يُمثل شعيرة تعبدية دينية روحية تتجسد فيه كل معاني التضحية والمحبة التكافل، والتسامح والرحمة، والتماسك الاجتماعي، وليست مظهر للتنافس الإجتماعي الذي يحولها إلى عبء مالي يعكس مظاهر التظاهر والتنافس الذي يفرغها من جوهرها الحقيقي القائم على التقوى.



