من رحـم قحت.. ولـدت آلاف المحـن
الظهيرة- حسن الدنقلاوي:
من رحم قحت ولدت البطالة وآلاف الرذائل، وتختمرت جراثيم الفتنة والعمالة والارتزاق والتلاشي والفناء والخراب والدماروالحرب ومن رحم قحت ولد كل معتوه.
فإذا كان العمل رسالة الأحياء فإن القحاتة العاطلين موتى.
وإذا كانت دنيانا هذه غراسًا لحياة أكبر تعقبها، فإن الفارغين أحرى الناس أن يُحشروا مُفلسين لا حصاد لهم إلا البوار والخسران بما فعلوا من قبيح الاعمال.
وقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى غفلة الألوف عما وُهبوا من نعمة العافية والوقت فقال: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ» (صحيح البخاري).
أجل فكم من سليم الجسم ممدود الوقت يضطرب في هذه الحياة بلا أمل يحدوه، ولا عمل يشغله، ولا رسالة يخلص لها ويصرف عمره لإنجاحها.ال ألهذا خلق الناس؟ كلا.
فالله عز وجل يقول: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ . فَتَعَالَى اللَّـهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ۖ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} [المؤمنون:115-116]. إن الحياة خلقت بالحق، الأرض والسماء وما بينهما.
والإنسان في هذا العالم يجب أن يعرف هذا الحق وأن يعيش به. أما أن يدخل في قوقعة من شهواته الضيقة، ويحتجب في حدودها مذهولًا عن كل شيء فبئس المهاد ما اختاره لحاضره ومستقبله!
وما أصدق ما رواه الشافعي في أسس التربية هذه الكلمة الرائعة: “وإذا لم تشغل نفسك بالحق شغلتك بالباطل”.
وهذا صحيح؛ فإن النفس لا تهدأ، إذا لم تَدُرْ في حركة سريعة من مشروعات الخير والجهاد والإنتاج المنظم لم تلبث أن تنهبها الأفكار الطائشة، وأن تلفها في دوامة من الترهات والمهازل.
وأفضل ما تصون به حياة إنسان أن ترسم له منهاجًا يستغرق أوقاته، ولا تترك فرصة للشيطان أن يتطرق إليه بوسوسة أو إضلال. وتوزيع التكاليف الشرعية في الإسلام منظور فيه إلى هذه الحقيقة، ألا يُترك للنفس فراغ يمتلئ بالباطل، لأنه لم يمتلئ من قبل بالحق.
ويشرح ديل كارنيجي هذا فيقول: إننا لا نحس أثرًا للقلق عندما نعكف على أعمالنا، ولكن ساعات الفراغ، التي تلي العمل هي أخطر الساعات طرًا.
فعندما يتاح لنا وقت فراغ لا تلبث شياطين القلق أن تهاجمنا، وهنا نتساءل: أترانا نَحْصُل من الحياة على ما نشتهي؟ أترى كان الرئيس يعني شيئًا بملاحظته التي أبداها اليوم؟
أترانا مرضى؟ ذلك أن أذهاننا تشبه أن تكون خاوية عندما تفرغ من العمل، والطلاب في دروس الطبيعة يعلمون أن الطبيعة تمقت الفراغ، تريد تجربة على ذلك؟
أحدث ثقبًا في مصباح كهربائي مفرغ من الهواء، وسترى أن الطبيعة تدفع بالهواء إلى داخل المصباح ليملأ ما فيه من خلاء، كذلك تسرع الطبيعة إلى ملئ النفس الفارغة، بماذا؟
بالعواطف والإحساسات غالبًا؛ لماذا؟
لأن مشاعر القلق والخوف والحقد والغيرة والحسد تندفع بقوة بدائية عنيفة متوارثة من عهد الغابة، وتلك المشاعر من القوة بحيث يمكنها أن تبدد السلام من نفوسنا والاستقرار من عقولنا.
من حق المربين إذن أن يحذروا آفات الفراغ، وأن يحصنوا النفوس من شرورها. وأمثل الوسائل في هذه الحالات وضع سياسات محكمة للإنشاء الدائم، والبناء المستمر.
فإن شحن الأوقات بالواجبات، والانتقال من عمل إلى عمل آخر -ولو من عمل مرهق إلى عمل مرفه- هو وحده الذي يحمينا من علل التبطل ولوثات الفراغ.
وأحسب أن المجتمع يستطيع الخلاص من مفاسد كثيرة لو أنه تحكم في أوقات الفراغ، لا بالإفادة منها بعد أن توجد، بل بخلق الجهد الذي يستنفذ كل طاقة، ويوجه هذا وذاك إلى ما ينفعه في معاشه ومعاده.
فلا يبقى مجال يشعر امرؤ بعده أنه لا عمل له، من قديم عرف المصلحون أن بطالة الغني ذريعة إلى الفسوق.
إن الشباب والفراغ والجده * مفسدة للمرء أي مفسدة ونضم إلى هذا أن بطالة الفقراء تضييع لقدرة بشرية هائلة، وبعثرة مخزية لما أودعه الله في العضلات والأعصاب والأفئدة من طاقات لو فُجرت لغيرت وجه العالم.
وأحق الأنظمة بالقبول والتشجيع ما رعى هذه الحقيقة ورتب عليها تعاليمه.
والإسلام يملك على الإنسان أقطار نفسه من هذه الناحية، فإن أغلب شرائعه يدور على جهاد النفس وجهاد الناس. وجهاد النفس فطامها عما تشتهي من آثام، أو تجنح إليه من مناكر.
وجهاد الناس منع مظالمهم من إفساد الحياة وخلخلة الإيمان، والإصلاح في جنباتها. وكلا الجهادين يستغرق العمر كله لحظة لحظة، ولا يستبقي فرصًا للعبث والذهول والغفلات.
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل الله الاستمساك بدينه مع نبض قلبه بالحياة، فيدعو: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» (أخرجه أبو داود).
وكان يقول: «اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت» (الترمذي) . وهذا الاستمداد اليقظ الدائب هو أساس الاكتمال النفسي.
أما شغل الوقت كله بالجهاد العام بعد ذلك فأمر معروف في سيرته، فما استراح من مناهضة الكفر في فج من فجاج الجزيرة إلا ليتحول إلى فج آخر يعمره بالإيمان والتقوى.
وقد جاء صاحباه من بعده أبو بكر وعمر فلم يدعا للمسلمين مجالًا لقعود، فرموا بجيوشهم على معاقل الطغيان في الأرض، فما هي إلا سنوات معدودات حتى امتلأت بقاع العالم بأضواء الإيمان.
فماذا حدث بعد أن ترك المسلمون هذه الواجبات المهيمنة على أوقاتهم كلها؟ فرغ بعضهم لبعض، وعاثت بينهم الفتن!
ثم خلفت خلوف جعلت من تفسير المتشابه في كتاب الله مضيعة للوقت الواسع الرخيص!
فأساءت بذلك إلى آيات الكتاب كلها محكمها ومتشابهها. إن الحق إذا استنفد ما لدى الإنسان من طاقة مختزنة لم يجد الباطل بقية يستمد منها. وإذا استولى على قلبه ولبه فلا مجال لوساوس اللهو وهواجس الريبة.
ويتساءل ديل كارنيجي: “ما السبب في أن أمرًا هينًا كالاستغراق في العمل يطرد القلق؟.
السبب في ذلك هو أحد القوانين الأساسية التي اكتشفها علم النفس وهو: من المحال لأي ذهن بشري مهما كان خارقًا أن ينشغل بأكثر من أمر واحد في وقت واحد”.
وهذا صحيح، وهو قريب من قول الله عز وجل: {مَّا جَعَلَ اللَّـهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} [الأحزاب:4]. إنك كما تعجز عن تخيل شيئين في وقت واحد، فكذلك تعجز عن الجمع بين إحساسين متناقضين.
ليس في استطاعتنا أن نتحمس لعمل مثير ونحس القلق في الوقت نفسه، فإن واحدًا من هذين الإحساسين يطرد الآخر.
وهذا القانون البسيط هو الذي مكن الأطباء النفسيين الملحقين بالجيش أن يأتوا بالعجائب في خلال الحرب، عندما كان يأتي الجنود الذين ضعضعت الحرب أعصابهم، كانوا يقولون: أشغلوهم بعمل ما. إن الفراغ يدمر ألوف الكفاءات والمواهب.
ويخفيها وراء ركام هائل من الاستهانة والاستكانة، كما تختفي معادن الذهب والحديد في المناجم المجهولة! ويستتبع هذا الإهدار الشنيع لقيمة العمل والوقت مصائب لا حصر لها في الأحوال النفسية والاجتماعية والسياسية.
يُروى عن عمر بن الخطاب أنه قال: “إني لأرى الرجل فيعجبني، فإذا سألت عنه فقيل: لا حرفة له، سقط من عيني.
فلا جرم أن شعوبًا بأسرها تسقط من عين الله، وتسقط من أعين أهل الجد والإنتاج لأنها لا عمل لها، استهلكها الفراغ وأسلمها للفناء. وعندي أن العلة الأولى لتخلف الأمة والشعوب الإسلامية ما غلب على أحوالها النفسية والاجتماعية من قعود واستكانة وتقاعس.
ويستحيل أن تحرز هذه الأجيال الغفيرة من البشر سهمًا من نجاح في الدنيا أو فلاح في الأخرى إلا إذا تغير أسلوبها في الحياة، وامحت من ربوعها آثام البطالة والفراغ.
لذا اتخذت فترة أربعة طويلة من البطالة والعطالة برنامجا وخمرت جراثيم المخدّرات والمكسرات لتهدم رسالة الشباب في ميادين العمل فحولتهم الي عاطين مفلسين لا حصاد لهم في مسيرة الاعمار.
أن عقلية قحت اتخذت من الكذب نهجا ولفت اعناق الشباب بحبال المخدرات والرزيلة.
والناظر بعين البصيرة والتبصر يجد أن قادة أربعة طويلة الان في وضع لايحسدون عليه بعد رياح الخامس والعشرين من اكتور التي هبت لتصحيحةمسار الثورة من الانزلاق في وحل الفشل التي اعلنها القائد العام لقوات الشعب المسلحة والتي ايدها وباركها باجماع كل الشعب السوداني .
الان ودعت قحت المشهد السياسي غير ماسوف عليها بعد مسيرات دعم القوات المسلحة ومناصرتها والسيادة الوطنية.
أن قحت اوقعت الشباب في فخ طفولتها الذي ولد مشوها.
وأن قحت كان حبل كذبها قصير وأنكشفت اباطيل أعمالهما التي مارستها باسم العدالة والحرية والمدنية والبست قحت اهداف الثورة ثوب الغلظة والرزيلة بعدما طرزته بحبوب الخرشة وأسلوب الابتزاز.
فهنيئا الشعب السوداني برحيل مشروع العملاء والماجورين ورحيل افعي الفتنة بلا عودة….



