هذا هو الحل الجذري لمشكلة الخبز في السودان!!
الظهيرة – علاء الدين محمد ابكر:
لم تستقر سلعة الخبز في السودان يوماً، وظلت لعقود رهينة لمعادلة معقدة أطرافها سعر الدقيق العالمي، وسعر الوقود، وتكاليف النقل، وأجور العمال، وجشع بعض التجار، وضعف الرقابة. وكلما تدخلت الدولة بحلول إسعافية من دعم أو تسعيرة أو استيراد، سرعان ما انهارت المنظومة وعادت ازمة الخبز من جديد.
والسبب واضح، فنحن نعالج الأعراض ونهمل المرض. والمرض هو أننا سلمنا “قوت الناس” لقطاع تشتته آلاف المخابز الصغيرة، لا تملك الدولة عليها سلطاناً حقيقياً، وتخضع بالكامل لتقلبات السوق.
والحل الذي أطرحه اليوم هو حل جذري يعالج المشكلة من جذورها، ويتمثل في أن تتولى حكومة كل ولاية سودانية إنتاج الخبز بنفسها، عبر إنشاء “مجمعات صناعية حكومية للخبز” مزودة بمصانع عملاقة وآلية، تعمل على مدار 24 ساعة. ويتم إنتاج الخبز مركزياً في الولاية، ثم توزيعه على المواطنين عبر منافذ بيع حكومية ثابتة في كل حي وكل سوق وكل وحدة إدارية، بسعر موحد وجودة موحدة ووزن موحد.
وعندما تكون الدولة هي المنتج، فإنها ستستورد الدقيق بكميات كبيرة وبأسعار تفاوضية، وسيتم نقله مباشرة من الميناء إلى صوامع الولاية ثم إلى المصنع، ولن يكون هناك “تجار دقيق” ولا “سماسرة ترحيل”. كما أن المصنع الكبير يعمل بالغاز أو الكهرباء بكفاءة أعلى من ألف فرن صغير يستهلك الجاز، وبذلك نكون قد قضينا على أزمات النقل والوقود والدقيق مرة واحدة.
إن احتكار الدولة لإنتاج الخبز سيضمن استقرار السعر والجودة والوزن، فلا مجال للتلاعب. الرغيفة ستخرج من المصنع بوزن محدد وبمواصفات ثابتة، وتباع في منفذ الولاية بسعر معلوم اليوم وغداً وبعد سنة، ولا يتحكم فيها صاحب مخبز ولا تاجر سوق أسود. كما أن الإنتاج المستمر على مدار اليوم سوف يمنح المواطن عدة منافذ حكومية في حيه تعمل طوال اليوم، والمخزون متوفر لأن المصنع لا “يقفل” بحجة قطعة غيار أو عطلة.
فضلاً عن ذلك، فإن هذا المشروع سيوفر آلاف فرص العمل الحقيقية للشباب. مهندسون وفنيون وسائقون وعمال إنتاج وتوزيع وموظفو منافذ بيع، كلها وظائف بعقود واضحة بدلاً من العمالة الهامشية. وعندما يتوفر الخبز بكثرة وبسعر معقول في منافذ الدولة، سيموت تلقائياً سوق “الرغيفة الغالية”، لأن لا أحد سيشتري من التاجر ما توفره الدولة بكرامة.
قد يقول قائل: وماذا عن القطاع الخاص؟ والرد أن القطاع الخاص سيبقى كخيار إضافي للفنادق والمطاعم والحلويات والخبز الفاخر، لكن خبز المواطن المدعوم سيكون بيد الدولة لضمان الأمن الغذائي.
وهذا ما تفعله دول كثيرة في العالم. وأما عن التمويل، فيمكن أن يتم عبر شراكة بين الحكومة الاتحادية وحكومات الولايات والبنوك وصناديق الاستثمار، فهذه مصانع ستدر عائداً وتوفر على الدولة مليارات الدعم التي تضيع اليوم في التسرب والتهريب.
وأما الخوف من الفساد في الشركات الحكومية، فالعلاج هو الشفافية: إدارة بشركة قابضة ولائية تخضع لرقابة المراجع العام والمواطنين، ونظام بيع إلكتروني، ووزن موحد، ومنافذ معروفة للجميع.
إن أمن الخبز هو أمن قومي، ولا يجوز أن نترك أمننا القومي في يد السوق وتقلباته. إذا أردنا أن ننهي هذه الأزمة إلى الأبد فالقرار شجاع وواضح: أن تدعم الدولة إنتاج الخبز وصناعته، أن تبني مصانعها، وتشغل عمالها، وتبيع لمواطنها مباشرة. حينها فقط سنقول ووداعاً لأزمة تجدد كل فترة ، ومرحباً برغيفة كريمة تليق بالمواطن السوداني.
علاء الدين محمد ابكر
alaam9770@gmail.com



