(على بلاطة) عبير دفع الله عزالدين تكتب: أعيرة الفرح .. وأحزان لا تنتهي

رغم كثرة الحديث عن ظاهرة إطلاق الاعيرة النارية في المناسبات، ورغم ما يكتب عنها في الصحف وما يقال في وسائل الاعلام وما تنفذه الجهات المختصة من حملات توعية، إلا أن هذه العادة لا تزال حاضرة في كثير من المناسبات الاجتماعية، حتى أصبحت مشهدا يتكرر في الافراح والاحتفالات وكأنها جزء من مظاهر الفرح، بينما هي في حقيقتها سلوك خطير يهدد الارواح ويزرع الخوف ويحول لحظات السعادة إلى مآس لا تنسى.
ومن المؤسف أن إطلاق الاعيرة النارية أصبح عند كثير من مجتمعاتنا المحلية عادة متوارثة، يمارسها البعض على سبيل مجاملة العريس أو التعبير عن الفرح بقدومه، فيطلق عدد من الطلقات اعتقادا منهم أن ذلك يضفي على المناسبة هيبة أو يبرز مكانة العريس بين أهله وأصدقائه.
غير أن هذه المجاملة تحمل في طياتها خطرا كبيرا، لان الرصاصة لا تعرف صاحب المناسبة ولا تميز بين قريب أو غريب، وقد تنتهي في جسد إنسان بريء أو تحدث كارثة لا تمحى آثارها.
فالرصاصة التي تخرج من فوهة السلاح لا تختفي في السماء، بل تعود إلى الارض بسرعة قاتلة، وقد تستقر في جسد طفل كان يلعب أمام منزله، أو امرأة كانت تقف على شرفة بيتها، أو رجل لا علاقة له بالمناسبة.
وعندها تتحول الزغاريد إلى صرخات، وتتحول الابتسامات إلى دموع، ويصبح العرس مجلس عزاء، بسبب لحظة تهور لم تستغرق سوى ثوان.
لقد سجلت كثير من الحوادث المؤلمة التي كان سببها إطلاق الاعيرة النارية في المناسبات، فسقط أبرياء بين قتيل وجريح، وأصيب آخرون بإعاقات دائمة، فضلا عن الخسائر المادية التي تلحق بالمنازل والمركبات والممتلكات.
وكل ذلك يحدث من أجل عادة لا تضيف إلى المناسبة قيمة، ولا تعبر عن الفرح بصورة حضارية.
إن استمرار هذه الظاهرة يدل على حاجة المجتمع إلى مزيد من الوعي، فالوعي هو السلاح الحقيقي الذي يحمي الارواح ويصون الامن. وتبدأ المسؤولية من الاسرة التي تغرس في أبنائها احترام حياة الانسان، ثم المدرسة التي تعزز قيم المواطنة، ثم وسائل الاعلام التي تواصل نشر الرسائل الهادفة، ورجال الدين الذين يبينون حرمة تعريض الناس للخطر، إلى جانب تطبيق القانون بحزم على كل من يستهين بأرواح الآخرين.
كما أن على أفراد المجتمع أن يدركوا أن الشجاعة ليست في حمل السلاح وإطلاق الرصاص، وإنما في احترام النظام والمحافظة على أمن المجتمع.
إن بناء مجتمع آمن لا يتحقق إلا عندما يشعر كل فرد أن حماية الآخرين مسؤولية شخصية قبل أن تكون واجبا قانونيا. فكل رصاصة تطلق بغير حق قد تكتب نهاية حياة إنسان بريء، وكل موقف واع يرفض هذه العادة يسهم في إنقاذ روح قد لا نعرفها، لكنه يعرف قيمتها أهلها.
وفي الختام، تبقى رسالة الوعي هي الطريق الامثل للقضاء على هذه الظاهرة. فالافراح وجدت لتصنع الذكريات الجميلة، لا لتترك خلفها أحزانا دائمة. ولن يكون المجتمع أكثر أمنا إلا عندما نقتنع جميعا بأن حياة الانسان أغلى من أي عادة، وأن أجمل احتفال هو الذي ينتهي بابتسامة الجميع، لا بدمعة أم أو فقدان أسرة لعزيز عليها.



