مقالات الظهيرة

علاء الدين محمد ابكر يكتب: محاربة خطاب الكراهية تبدأ من البيت والمدرسة

خطاب الكراهية ليس كلمة عابرة تُقال وتنتهي. إنه شرارة صغيرة إذا تُركت بلا إطفاء، أحالت المجتمع إلى رماد من الشقاق والعداوة. ومحاربته لا تكون بخطاب رسمي في قاعة مغلقة، بل بمعركة يومية تبدأ من أبسط الدوائر وأقربها إلى الإنسان: البيت، الشارع، المدرسة، ومكان العمل، قبل أن تصل إلى ساحة المعركة الكبرى اليوم: وسائل التواصل الاجتماعي.

 

الجذر في البيت.. والثمار في المجتمع

 

الأسرة هي المدرسة الأولى. فيها يتشكل وعي الطفل، وفيها يتعلم كيف يرى “الآخر”. إذا نشأ الطفل على أن الاختلاف عيب، وأن من يخالفني في اللون أو القبيلة أو الرأي هو عدو، فإنه سيحمل هذه القناعة إلى الشارع والمدرسة والمجتمع كله.

 

وحين يسمع الأبناء من الكبار ألفاظ التقليل والسخرية والتصنيف، فإنهم يخزنونها كقيم. لذلك تبدأ محاربة خطاب الكراهية من لغة الأب والأم على مائدة الطعام، ومن طريقة تعاملهم مع الجار المختلف، ومن احترامهم للرأي الآخر داخل البيت نفسه.

 

الشارع والمدرسة.. مساحات للتربية أو للتسميم

 

الشارع هو امتداد للبيت. إذا كان شارعنا يضج بالشتائم القبلية والمناطقية، وإذا كانت النكات المهينة صارت مادة للضحك، فنحن نعيد إنتاج الكراهية بشكل يومي.

 

والمدرسة أخطر وأهم. فهي المكان الذي يجب أن يتعلم فيه الطالب أن التنوع قوة، وأن الوطن لا يبنى بفئة واحدة. المعلم الذي يمرر نكتة مسيئة، أو يميز بين طالب وآخر على أساس الأصل، يزرع في العقول بذرة لا تُمحى بسهولة. والعكس صحيح: المعلم الذي يربي على الاحترام والإنصات يصنع جيلاً محصناً ضد سموم الكراهية.

 

مكان العمل.. حيث تتحول الكراهية إلى إقصاء

 

في مواقع العمل، يتحول خطاب الكراهية من كلام إلى فعل. إقصاء موظف لأنه من منطقة معينة، أو ترقية آخر لأنه من “القبيلة الفلانية”، كلها صور عملية لخطاب الكراهية. وحين يشعر الإنسان بالظلم الممنهج، يتحول غضبه إلى حقد، وحقده إلى خطاب، وخطابه إلى عنف.

 

مواقع التواصل.. بوق الكبت المجتمعي

 

إذا كانت الدوائر السابقة هي المكان الذي تُصنع فيه الكراهية، فإن وسائل التواصل الاجتماعي هي مكبر الصوت الذي ينشرها بلا حدود.

 

المنصات الرقمية لم تخلق الكراهية، لكنها أعطتها منبراً مفتوحاً وسرعة انتشار مروعة. صارت بوقاً لكبت مجتمعي سالب، يتنفس من خلاله البعض سماً زعافاً لا يستطيعون قوله في وجوه الناس مباشرة. خلف الشاشات تختفي المسؤولية، وتظهر أسوأ ما في النفس البشرية: الشتم، التخوين، التحريض، ونشر الشائعات التي تشعل الفتنة في دقائق.

 

والخطر أن هذا السم لا يبقى في العالم الافتراضي. إنه ينتقل إلى الشارع، ويؤثر على الانتخابات، ويعمق الانقسام، ويجعل المصالحة المجتمعية أصعب.

 

كيف نربح المعركة؟

 

محاربة خطاب الكراهية لا تكون بالحجب والقوانين وحدها. القوانين ضرورية لردع المحرضين، لكنها لا تغير قناعة. التغيير الحقي يبدأ بإعادة بناء الوعي من الجذر:

 

1. *في البيت*: بمراقبة لغتنا أمام الأبناء، وتربيتهم على احترام الاختلاف.

2. *في المدرسة*: بإدخال قيم المواطنة والتعايش في المناهج والسلوك اليومي.

3. *في الإعلام*: بإعطاء مساحة للخطاب الإيجابي، وتجريم التحريض دون المساس بحرية الرأي.

4. *في الفضاء الرقمي*: بمسؤولية فردية. قبل أن تشارك منشوراً، اسأل نفسك: هل يبني أم يهدم؟ هل يقرب أم يفرق؟

 

الوطن لا يحتمل مزيداً من الانقسام. وخطاب الكراهية هو أقصر طريق إلى الانهيار. وإذا أردنا مجتمعاً متماسكاً، فعلينا أن نبدأ من حيث نبدأ كل شيء: من داخلنا، ومن بيوتنا، ومن لغتنا اليومية.

 

فالكلمة إما أن تكون جسراً يعبر بنا إلى المستقبل، أو فأساً تهدم ما تبقى من الجسور.

 

علاء الدين محمد ابكر

alaam9770@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى