(شــوكة حــوت) ياسر محمدمحمود البشر يكتب… (ضــنب الضــب).. عندما يضحى المسؤول بذيله!!
*فى البيئة الطبيعية السودانية يحمل كل كائن حى حيلته الخاصة للبقاء ولعل أطرفها وأكثرها ذكاءً تلك التى يمارسها (الضب) حين يتعرض لخطر داهم أو مضايقة مفاجئة فهو لا يخوض معركة خاسرة ولا يدافع باستماتة بل يتخذ قراراً تكتيكياً فورياً بالتخلى عما يزيد عن حاجته العضوية مضحياً بذيله أو ما يُعرف في العامية السودانية بالضنب ليكون طعماً مشغلاً ومشتتاً لانتباه المفترس بينما يلوذ هو بالفرار نحو جحره آمناً مطمئناً إن (ضنب الضب) ليس عضواً عادياً بل هو تصميم بيولوجى فريد أُعد خصيصاً ليلعب دور الضحية المؤقتة فهو ينفصل بسهولة مذهلة ويبقى يختلج بحركات موهمة تلفت الأنظار وتخدع العدو ليعتقد أنه افترس فريسته بينما يكون صاحب الجسد الحقيقى قد غادر مسرح الحدث تماماً هذه الفلسفة البراغماتية الصرفة فى التخلى عن الأجزاء لإنقاذ الكل أثبتت جدارتها فى عالم الحيوان ولكن هل يُعقل أن تنتقل وتترسخ في عالم البشر*
*وحتى لا نذهب بعيداً في التنظير البيولوجى فإن المتأمل فى دهاليز العمل العام والإدارة يلحظ بوضوح أن بعض المسؤولين ومتخذى القرار قد أدمنوا ممارسة ما يمكن أن نطلق عليه سياسة الضب فهم حين تشتعل الأزمات تحت أقدامهم أو تلاحقهم طائلة الفشل أو الانتقادات العارمة لا يترددون لحظة واحدة فى تطبيق استراتيجية البقاء الخاصة بالزواحف متخذين من مرؤوسيهم ومن حولهم ضنباً يضحون به في أول منعطف خطر ففى الأزمات الكبرى التى تعصف بالمؤسسات أو الحكومات تبدو استراتيجية (ضنب الضب) مطابقة تماماً للممارسات البيروقراطية فالهدف الأول والأخير للقيادة المأزومة هو لفت الانتباه وإلهاء الشارع والرأى العام عن الأسباب الحقيقية والعميقة للفشل الإدارى وذلك عبر تقديم كبش فداء جاهز وإطاحة موظف أو وكيل أو وزير دولة تماماً كما يتحرك ذيل الضب المبتور ليشد الأنظار ويحجب رؤية الضب الهارب*.
*إن الضحية فى هذه اللعبة السياسية ليس سوى موظف مسكين أو مرؤوس غرر به ربما كان ينفذ التعليمات بحذافيرها أو وجد نفسه فى المكان الخاطئ والوقت الخاطئ وحين تقع الفأس فى الرأس وتتكدس الملفات الساخنة على مكاتب الرقابة أو صفحات الصحف يتخلى عنه المسؤول الأكبر بكل برود ملقياً به في قفص الاتهام ليتحمل وحده وزر سياسات مؤسسية متكاملة لم يكن هو صانعها الأول وما يزيد المشهد سخفاً وسخرية أن هذه الإقحامات والتضحيات المتكررة تُسوق دائماً للرأى العام تحت شعارات براقة مثل تجديد الدماء أو إصلاح المسار أو محاربة التقصير وكأن التغيير الحقيقي يبدأ وينتهي بقطع ذيول المنظومة بينما يبقى رأس الهيكل الإدارى ثابتاً فى مكانه يدير نفس السياسات العتيقة وينتظر أزمة جديدة تبحث عن ضنب جديد للتضحية به*.
*تعكس هذه الممارسة أزمة أخلاقية وإدارية عميقة تتمثل فى غياب شجاعة تحمل المسؤولية فالقائد الحقيقى يُعرف في الأزمات بوقوفه في خط الدفاع الأول عن فريقه وحمايته لا بالاستقواء به كدرع واقٍ ثم القاءه خلف الظهر عند أول هبت ريح إن سياسة الضنب تكرس لمفهوم قيادى مشوه يقوم على الأنانية المفرطة والتضحية بالآخرين من أجل البقاء الشخصى على الكرسى والجدير بالذكر بيولوجياً أن ذيل الضب ينمو أحياناً من جديد ولكنه لا يعود أبداً بنفس الكفاءة والقوة الأولى وبالمثل فإن المسؤول الذى يعتاد التضحية برجاله ومرؤوسيه يفقد تدريجياً رصيده الأخلاقى والمهنى ويصبح مجرد عاجز بلا ظهير حقيقى فالأتباع الأكفاء لا يمكن أن يخلصوا لمن يبيعهم فى أول سوق للأزمات وتلك معادلة تفشل فيها كل حيل البقاء*.
نـــــــــــــص شــــــــــــوكة
*ولحسن الحظ لم يعد الرأى العام ساذجاً كما كان ولم تعد حيل الضنب السياسى تنطلى على العقول المفتوحة فالناس باتوا يقرأون ما بين السطور ويدركون تماماً أن إقالة الصغير لا تعنى بالضرورة إصلاح الكبير وأن البحث عن المذنب الحقيقى يستدعى دائماً تتبع الأثر صعوداً نحو الرأس المدبر لا نزولاً نحو الذيل المبتور*.
ربـــــــــــــع شــــــــــــوكة
*التغيير الحقيقى والنهضة المؤسسية المرجوة لن تتحقق أبداً عبر اجترار أساليب الزواحف فى الهروب والتنصل فالدول والمؤسسات تبنى على الشفافية والمسؤولية الجماعية لا على ثقافة ضنب الضب وحين يدرك المسؤولون أن الكرسى زائل وأن البقاء للأكفأ والأشجع فقط ستكف الإدارة عن البحث عن كباش فداء وستتجه مباشرة لمعالجة أصل الداء لا قطع أطراف الأبرياء*.
yassir.mahmoud71@gmail.com



