حين تصبح ضغطة زر تهديداً للأمن.. النشر مسؤولية وليس سباقاً للمشاهدات

د. محمدالأمين علي ابوخنيجر
نبض الفكرة
mhmdalprof9927@gmail.com
بين حرية التعبير ومسؤولية حماية المواطنين، هناك مساحة لا بد أن يحكمها الوعي الوطني، وفي ظل الظروف الأمنية التي تمر بها البلاد لم يعد النشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي ممارسة اعتيادية أو سباقاً للحصول على المشاهدات والتفاعلات، وإنما بات مسؤولية أخلاقية ومجتمعية قد تترتب على بعض تفاصيلها آثار تتجاوز حدود ما يتصوره الناشر نفسه.
إننا بحاجة ماسة إلى مراجعة ثقافة النشر في مواقع التواصل الاجتماعي خاصة فيما يتعلق بالأحداث الأمنية،
خذوا مثلاً ما يحدث عند رصد طائرات مسيّرة في سماء البلاد، وتسارع البعض إلى تصويرها ونشر مواقعها واتجاهات تحركها وتفاصيل متابعتها لحظة بلحظة عبر فيسبوك، قد يظن الناشر أنه يقدم خدمة إخبارية للمواطنين لكنه ربما يقدم دون أن يدري معلومات يمكن أن تستفيد منها أطراف أخرى معادية، أو تسهم في تصحيح مسار تلك المسيرات، فضلاً عن أن تداول هذه المشاهد والتعليقات المصاحبة لها قد يضاعف حالة الخوف والهلع وسط المواطنين، فهل كل ما نعرفه يجب أن ننشره؟ وهل السبق في النشر أهم من سلامة الناس؟
المسألة لا تتوقف عند الأحداث الأمنية، وإنما تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، فعندما يقوم أحدهم بتصوير صفوف المواطنين أمام محطات الوقود وينشرها على نطاق واسع، علينا أن نسأل: ما القيمة الإخبارية التي أضافتها هذه الصورة للمواطن الذي يعيش المشهد ويشاهده بنفسه؟ وهل يحتاج سكان المدينة إلى صور توثق واقعاً يعرفونه ويعانونه بالفعل؟
إن نشر مثل هذه الصور قد لا يقدم خدمة حقيقية للمجتمع المحلي، لكنه يمنح صورة سلبية عن الأوضاع للمتابعين خارج المنطقة، وقد يُستغل في سياقات لا تخدم مصالح المواطنين ولا استقرار المجتمع.
لسنا ضد كشف الحقائق ولا ندعو إلى حجب المعلومات أو تقييد حرية التعبير، ولكننا ندعو إلى إعلام مسؤول يميز بين حق المواطن في المعرفة، وبين نشر تفاصيل قد تضر بأمنه وسلامته.
ومن هنا تبرز أهمية أن تضطلع الجهات المختصة بدورها في توفير قنوات تواصل واضحة وفعالة ، عبر أرقام هواتف معلنة ومخصصة لاستقبال البلاغات والمعلومات المتعلقة بالمسيرات والتحركات المشبوهة والحوادث الأمنية، بحيث تصل المعلومات إلى الجهات المعنية مباشرة، بدلاً من تحويل صفحات التواصل الاجتماعي إلى غرف مفتوحة لتداول التفاصيل الأمنية.
كما أن من الضروري أن يراجع الناشطون وأصحاب الصفحات طبيعة ما ينشرونه، وأن يدركوا أن كثرة المتابعين لا تعني بالضرورة امتلاك الوعي الإعلامي وأن المسؤولية لا تقاس بعدد المشاهدات والتفاعلات وإنما بمدى إدراك أثر الكلمة والصورة والمعلومة.
إننا بحاجة إلى ثقافة نشر جديدة تقوم على التحقق، والتوقيت المناسب، وتقدير المصلحة العامة، واحترام خصوصية المجتمع وأمنه. فهناك معلومات ينبغي الإبلاغ عنها لا نشرها وأحداث تستوجب التريث لا التسابق، وصور قد يكون الاحتفاظ بها أكثر مسؤولية من تداولها، ففي أوقات الاضطراب قد تكون المعلومة غير المنضبطة خطراً، وقد تكون الصورة غير المحسوبة سبباً في إثارة الذعر، وقد يكون الامتناع عن النشر موقفاً واعياً يحمي المجتمع.



