التعليم التقني والتقاني والتدريب المهني في السودان.. من مقاعد الدراسة إلى ميادين الإنتاج وإعادة بناء الوطن

مسارب الضي | يكتبه | د. محمد تبيدي:
ليست أزمة السودان في نقص الشهادات الأكاديمية، ولا في غياب الرغبة في التعليم، وإنما في اتساع الفجوة بين مخرجات المؤسسات التعليمية واحتياجات سوق العمل ومتطلبات التنمية والإنتاج. فقد ظل التعليم الأكاديمي يحتل المساحة الأكبر من اهتمام المجتمع والسياسات التعليمية، بينما لم ينل التعليم التقني والتقاني والتدريب المهني ما يستحقه من رعاية وتخطيط واستثمار، رغم أنهم يمثلا اهم مفاتيح النهضة الاقتصادية والصناعية، وأحد الأعمدة الأساسية لبناء الدول الحديثة.
إن الحديث عن مستقبل التعليم في السودان يجب ألا يظل محصوراً في الجامعات والكليات النظرية، بل ينبغي أن يتجاوز ذلك إلى إعادة الاعتبار للتعليم التقني والتقاني والتدريب المهني، باعتباره مساراً تعليمياً موازياً ومكملاً للتعليم الأكاديمي، وليس درجة أدنى منه أو ملاذاً لمن لم يحالفهم الحظ في الالتحاق بالجامعات.
التعليم التقني والتقاني والتدريب المهني.. ضرورة وطنية وليست خياراً ثانوياً
التعليم التقني والتقاني والتدريب المهني هو التعليم الذي يحوّل المعرفة إلى مهارة، والنظرية إلى ممارسة، والمعلومة إلى منتج وخدمة. فمن خلاله تتخرج الكوادر المؤهلة في مجالات الكهرباء، والميكانيكا، والتشييد، والتبريد والتكييف، وتقنية المعلومات، والاتصالات، والصناعات التحويلية، والمهن الصحية، والزراعة الحديثة، وإدارة الموارد والخدمات اللوجستية وغيرها من التخصصات التي يحتاج إليها المجتمع.
والدول التي حققت نهضتها الاقتصادية لم تعتمد على تخريج حملة الشهادات الجامعية وحدهم، وإنما بنت منظومات تعليمية متكاملة، جعلت للتعليم المهني والتقني مكانته في الاقتصاد الوطني، وربطت المؤسسات التعليمية بالمصانع ومراكز الإنتاج والشركات ومؤسسات الخدمات.
فلا يمكن أن نتحدث عن نهضة صناعية دون فنيين مهرة، ولا عن إعادة إعمار دون كوادر متخصصة في البناء والهندسة والكهرباء والمياه والطرق، ولا عن تحول رقمي دون خبراء في الشبكات والبرمجيات وتقنية المعلومات.
السودان بعد الحرب.. من يحتاج إلى إعادة الإعمار؟
إن الظروف الاستثنائية التي يمر بها السودان، وما خلفته الحرب من دمار واسع في البنية التحتية والمؤسسات الاقتصادية والخدمية والتعليمية، تجعل من تطوير التعليم التقني والتقاني والتدريب المهني أولوية وطنية لا تحتمل التأجيل.
فإعادة إعمار السودان لن تتحقق بالتصريحات والمؤتمرات وحدها، ولن تنجزها الاستعانة بالخبرات الأجنبية بصورة دائمة، وإنما تحتاج إلى بناء قاعدة وطنية من الفنيين والتقنيين والمهنيين القادرين على إدارة عمليات الإعمار والصيانة والتشغيل والإنتاج.
نحن بحاجة إلى آلاف المتخصصين في الكهرباء والطاقة، وصيانة المعدات والآليات، والهندسة المدنية، وتقنيات المياه والصرف الصحي، والتصنيع الغذائي، والاتصالات، والتكنولوجيا الحديثة.
كما أن القطاع الزراعي، الذي يمثل أحد أهم موارد السودان الاقتصادية، يحتاج إلى تقنيين في الميكنة الزراعية، والري الحديث، والصناعات الغذائية، وإدارة سلاسل الإنتاج والتخزين والتسويق.
وهنا تتجلى القيمة الاستراتيجية للتعليم التقني والتقاني والتدريب المهني فهو لا يمنح الشباب مؤهلاً دراسياً فحسب، بل يفتح أمامهم أبواب العمل والإنتاج وريادة الأعمال، ويقلل الاعتماد على العمالة المستوردة، ويسهم في توطين المعرفة والخبرة داخل البلاد.
أزمة النظرة المجتمعية.. الشهادة ليست وحدها معيار النجاح
من أكبر التحديات التي تواجه التعليم الفني والتقني والتدريب المهني في السودان النظرة الاجتماعية التي ظلت تنظر إلى بعض المسارات المهنية باعتبارها أقل مكانة من التعليم الجامعي الأكاديمي.
هذه النظرة تحتاج إلى مراجعة جادة فالمجتمعات لا تُبنى بالشهادات المعلقة على الجدران، وإنما بالعقول المنتجة والأيدي الماهرة والقدرة على تحويل الموارد إلى قيمة اقتصادية.
ليس من الضروري أن يكون كل طالب طبيباً أو مهندساً أو إدارياً، فالمجتمع يحتاج إلى الطبيب والفني والممرض والكهربائي والميكانيكي والمبرمج والنجار والحداد وخبير التبريد والتكييف، وكل صاحب حرفة متقنة.
إن احترام المهنة يبدأ من احترام صاحبها، وتقدير التدريب المهني يبدأ عندما تتساوى فرص خريجه في العمل والتطور والترقي، وعندما تصبح المهارة معياراً حقيقياً للكفاءة والاستحقاق.
المؤسسات التدريبية الخاصة.. شريك في صناعة المستقبل
لا يمكن للدولة وحدها أن تتحمل مسؤولية التوسع في التعليم التقني والتقاني والتدريب المهني، ولذلك ينبغي أن تكون المؤسسات التدريبية والمعاهد المهنية الخاصة شريكاً أصيلاً في هذه العملية، وفق ضوابط الاعتماد والجودة والمعايير المهنية المعترف بها.
وهنا تبرز أهمية دعم المعاهد والكليات التقنية، وتسهيل إجراءات الترخيص، وتوفير التجهيزات والمعامل والورش الحديثة، وتأهيل المدربين، وتحديث المناهج بصورة مستمرة.
كما ينبغي أن تنتقل هذه المؤسسات من مفهوم التعليم القائم على تلقين المعلومات إلى التعليم القائم على الكفاءة والمهارة والتطبيق العملي.
فلا قيمة لشهادة في الكهرباء دون قدرة على التعامل مع الدوائر الكهربائية، ولا قيمة لشهادة في صيانة السيارات دون تدريب حقيقي على المحركات والأنظمة الحديثة، ولا قيمة لشهادة في تقنية المعلومات دون إتقان التطبيقات والبرمجيات ومهارات التعامل مع التكنولوجيا.
إن جودة التعليم التقني تقاس بما يستطيع الخريج إنجازه في ميدان العمل، وليس بعدد المواد التي درسها أو السنوات التي قضاها داخل المؤسسة التعليمية.
ما الذي يحتاجه السودان لإصلاح هذا المسار؟
إن معالجة أوضاع التعليم التقني والتقاني والتدريب المهني تتطلب رؤية وطنية واضحة تقوم على عدة مرتكزات أساسية:
أولاً: وضع استراتيجية وطنية للتعليم التقني والتقاني والتدريب المهني ترتبط مباشرة بخطط التنمية وإعادة الإعمار وتبسيط إجراءات تسجيل المراكز والمعاهدوفق احتياجات سوق العمل.
ثانياً: إنشاء شراكات فاعلة بين وزارتي التعليم العالي والتعليم والتربية الوطنية والقطاع الخاص والمؤسسات الصناعية والإنتاجية وتزويب المجالس الهلامية التي تدار بواسطه اهواء أشخاص ومحاصصات وقوانين فرضيه تضيق الفرص علي أصحاب المراكز الخاصة.
ثالثاً: تحديث المناهج والمعامل والورش، وإدخال التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي في البرامج التدريبية.
رابعاً: تأهيل المدربين والمعلمين ورفع قدراتهم المهنية والتربوية، وربط ترقيهم بالتطوير المستمر والخبرة العملية.
خامساً: توفير فرص التدريب الميداني والتدريب المهني للطلاب، حتى لا يتخرج الطالب وهو يحمل معلومات نظرية دون خبرة تطبيقية.
سادساً: إنشاء نظام واضح للاعتماد وضمان الجودة، وتوحيد المعايير المهنية، والاعتراف بالمؤهلات والمهارات المكتسبة عبر المسارات المختلفة.
سابعاً: توفير التمويل والمنح والتسهيلات للطلاب، خاصة أبناء الأسر محدودة الدخل وزوي الاحتياجات الخاصة والجرحي والمصابين عسكرين ومدنين، حتى لا يصبح التعليم التقني والتدريب المهني فرصة متاحة للقادرين مالياً وحدهم.
رواية مسارب الضي.. التعليم الذي يصنع الدولة
إننا في مسارب الضي نرى أن معركة بناء السودان لا تقل أهمية عن معركة الدفاع عن سيادته ووحدة أراضيه، وأن التعليم التقني والتقاني والتدريب المهني يمثل إحدى جبهات هذه المعركة، لأنه ينقل المجتمع من دائرة الاستهلاك والاعتماد على الآخرين إلى دائرة الإنتاج والاعتماد على الذات.
ومن المهم أن تدرك الدولة أن الاستثمار في المعاهد التقنية والمهنية ليس إنفاقاً تعليمياً عابراً، بل استثمار مباشر في الاقتصاد الوطني، وفي تقليل البطالة، وتحسين الإنتاجية، وتوفير فرص العمل للشباب وهنا النداء ليس لوزارة التعليم العالي والتقني والتقاني والتدريب المهني وحدهم بل لوزارة الشباب والرياضة ووزارة التنمية الاجتماعية ووزارة العمل والإصلاح ووزارة النقل واسلحة النقل والصيانة والتشييد والمهندسين بقواتنا المسلحة الباسلة ولكافة القطاعات الشبابية والجمعيات والمنظمات والمبادرات وللمسجل العام للجمعيات التعاونية ودوره في تبسيط إجراءات تسجيل الجمعيات الحرفية.
كما أن المطلوب ليس مجرد زيادة أعداد المعاهد أو تخريج دفعات جديدة، وإنما بناء منظومة تعليمية تدريبية متكاملة تضمن جودة التدريب، ومواءمة التخصصات مع احتياجات السوق، ووجود فرص حقيقية لاستيعاب الخريجين.
ولابد أن نؤكد أن التعليم التقني والتدريب المهني لا ينبغي أن يكون طريقاً مسدوداً أمام طموحات الطلاب، بل يجب أن تتاح لخريجيه فرص مواصلة الدراسة والتدرج الأكاديمي والمهني، وفق معايير واضحة تضمن العدالة وتكافؤ الفرص.
إن السودان الذي نريد بناءه بعد الحرب يحتاج إلى جامعة تنتج المعرفة، ومعهد يصنع المهارة، ومصنع يحول المعرفة والمهارة إلى إنتاج، ودولة توفر البيئة المناسبة لهذا التكامل وإن نهضة السودان لن تبدأ من إعادة تشييد المباني وحدها، وإنما من إعادة بناء الإنسان السوداني وتأهيله وتمكينه بالعلم والمعرفة والمهارة. فالأوطان لا تنهض بكثرة حملة الشهادات فقط، وإنما بقدرتها على توظيف العلم في خدمة الإنتاج، وتحويل الطاقات البشرية إلى قوة اقتصادية حقيقية.
ولذلك فإن تطوير التعليم التقني والتقاني والتدريب المهني يجب أن يكون مشروعاً قومياً تتبناه الدولة، وتشارك فيه الجامعات والمعاهد والمؤسسات الخاصة والقطاع الإنتاجي، وتلتف حوله الأسر والمجتمعات، حتى يجد كل شاب وشابة مساراً تعليمياً يفتح أمامهما أبواب المستقبل.
وهذا ما أكد عليه نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي، مالك عقار أير، بشأن دعم الدولة اللامحدود للجوانب المتعلقة بمعالجة أوضاع التعليم التقني والتقاني والتدريب المهني في السودان وتحسين جودته، مشيراً إلى أهمية هذا المسار التعليمي ودوره في إعادة البناء والإعمار.
جاء ذلك لدى لقائه، بمكتبه وزيري التعليم العالي والبحث العلمي، أحمد مضوي موسى، والتعليم والتربية الوطنية، التهامي الزين حجر، بحضور مدير إدارة التعليم الخاص والأجنبي بوزارة التعليم العالي.
إن الرهان الحقيقي على مستقبل السودان يبدأ من قاعات التدريب وورش التعليم ومراكز الإنتاج، فالدولة التي تريد إعادة بناء ما دمرته الحرب عليها أن تبدأ ببناء الإنسان القادر على ذلك.
وأنا سأكتب للوطن حتى أنفاسي الأخيرة



