سلطنة دار مساليت: وثيقة تاريخ في التسامح ودروس في وحدة الصف!!

بقلم: الرشيد إبراهيم كندو:
منذ أن أرسى الأجداد اللبنات الأولى لهذا الكيان لم تكن *(سلطنة دار مساليت)* مجرد رقعة جغرافية في أقصى غرب السودان، بل كانت نموذجاً فريداً ومتقدماً في فنون الإدارة وقبول الآخر وبناء الأوطان على أسس الأخوة والتعايش السلمي.
جغرافياً وتاريخياً فتحت هذه الأرض صدرها لكل وافد وجعلت من تنوعها غنىً ومن كرمها عنواناً، حتى غدت وطناً جامعاً لأكثر من 45 كياناً وقبيلة تشاركوا الأرض والماء والقرار، وتوجت تلك الشراكة بمنح الإدارات والألقاب (من أمراء وشيوخ وعُمُد) لمختلف المكونات لتكون شريكة فعلية في هيكل السلطنة وسلطاتها.
لم تكن هذه الجغرافية الغنية بمواردها المائية والزراعية والغابية مجرد مكان للعيش، بل كانت بيئة حاضنة وجاذبة وملاذاً امناً لكل من لجأ إليها عبر التاريخ.
ولكن وكما أن التاريخ يعيد نفسه، فإن النعم الكبرى غالباً ما تغري النفوس الشريرة وأصحاب الأجندات الهدامة.
منذ الثمانينات القرن الماضي بدأت ملامح المؤامرة تتكشف حين وجدت أطراف تسعى لتأجيج الصراعات مستغلةً قضايا الرعاة والمزارعين كشماعة للهيمنة، قبل أن يتم تمكين هذه العناصر لاحقاً من قبل السلطة المركزية لتبدأ فصول الاستهداف المنهجي والمجازر والتطهير وتشريد أهل الأرض الأصليين، وصولاً إلى محاولات طمس الهوية واحتلال الأرض.
ورغم قسوة ما حدث وما يزال يحدث حتى هذه اللحظة بحق من تبقى من أهل السلطنة، ظل الألم كبيراً والجرح عميقاً.
في خضم هذا المخاض العسير والواقع المعقد اليوم حيث تتوزع الكيانات والقبائل التي كانت تضمها السلطنة بين ظروف مختلفة، فمنهم من فرضت عليه الإقامة الجبرية، ومنهم من التزم الحياد أو تضررت ظروف الحرب بمواقف متباينة بينما انخرط اخرون مع الأطراف الأخرى، يبرز المعدن الحقيقي لسلطنة دار مساليت وفلسفتها الراسخة.
إن الموقف اليوم رغم أنه يبدو أخلاقياً وإنسانياً في المقام الأول، ورغم توافر الأدلة والمعلومات الكاملة عن طبيعة المتورطين، إلا أن ديدن السلطنة وإرثها التاريخي يأبى الانزلاق إلى مستنقع التعميم والعنصرية.
إن دار مساليت لم تكن يوماً عدوة لأي مكون اجتماعي أو قبلي، ولم تصنف الناس بلون هوياتهم، بل كانت ولا تزال تؤمن بأن وحدة الصف هي صمام الأمان الوحيد.
*إن سلطنة دار مساليت لم تكن يوماً ضد أي قبيلة أو مكون اجتماعي ولن تكون.*
اطمئنوا جميعاً يا من تقاسمتم معها عصيدة الدخن والملح عبر القرون فليس بينها وبينكم عداء.
العداء الحقيقي والخصومة الثابتة، والمساءلة التاريخية والأخلاقية، هي موجهة حصراً *للذين عادوا الأرض، وقتلوا أهلها، وشردوا ديارهم، وارتكبوا جرائم التطهير والاحتلال.*
أما الأبرياء وكل من حافظ على العهد ولم تتلطخ يده بدماء الأبرياء، فباب الأخوة والتعايش يظل مفتوحاً لهم كما كان دائماً.
إن التاريخ لا يرحم، والعدالة قادمة لا محالة، ولكنه تاريخ يُكتب أيضاً بحروف من نور لمن حافظ على قيمه الإنسانية وسط أتون الحرب.
*ستبقى دار مساليت وطناً للجميع، وسيبقى أهلها أصحاب المبدأ الأثبت: الأرض للجميع، والسلام لمن أراد السلام، والعدالة لمن ظلم واعتدى.*
*✍️ الرشيد إبراهيم كندو*
*واتساب: +249911186134*
*البريد الإلكتروني: alrasheedebrahim@yahoo.com*



