مقالات الظهيرة

د. عبد الرؤوف قرناص يكتب…. السكة الحديد… أرحموا عزيز قومٍ ذلّ!

ها نحن نعيش في زمن الدهشة…

زمن لا تسمع فيه صافرة قطار، ولا هدير قاطرة، ولا تمايل عربات وهي تشق طريقها فوق القضبان، حاملةً الركاب والبضائع، ورابطةً أجزاء الوطن بعضها ببعض.

 

من وادي حلفا في أقصى الشمال، إلى واو قبل الانفصال…

ومن بورتسودان في أقصى الشرق، إلى بابنوسة في أقصى الغرب.

 

كانت شبكة تمتد عبر السودان، تحمل كل شيء تقريباً، وبأقل التكاليف. كانت تربط مناطق الإنتاج بمناطق الاستهلاك، والموانئ بالمدن، والأطراف بالمركز.

 

كانت السكة الحديد دولة داخل الدولة… ولكنها دولة تعمل!

 

ولم تكن السكة الحديد مجرد قضبان وقاطرات.

 

في عطبرة، كانت مؤسسة لها حضورها الاجتماعي والتعليمي. أنشأت المدارس، وقدمت الخدمات للعاملين وأسرهم، وأسهمت في بناء مجتمع كامل حولها. وبدأت حتى في إنشاء صيدليات في عطبرة وكريمة وبابنوسة.

 

أي أن المؤسسة كانت تفكر في القطار والإنسان معاً.

 

ثم جاء أصحاب السياسة…

 

وكما حدث في مؤسسات كثيرة، دخلت السياسة من الباب الذي يفترض أن تدخل منه الإدارة.

 

تُسَيَّس النقابة، ويتحول العمل النقابي إلى معركة نفوذ، ويصبح الصراع على المواقع أهم من الصراع من أجل تطوير المؤسسة.

 

بدلاً من أن يتنافس الناس على من يستطيع أن يجعل القطار أسرع؟

 

أصبح التنافس على:

 

من يسيطر على النقابة؟

ومن يملك القرار؟

ومن يرفع الشعار الأعلى؟

 

وهكذا انتصر التنظير على الإدارة، وانتصر الصراع السياسي على التطوير، وبدأت السكة الحديد تموت ببطء… أمام أعين الجميع.

 

والأكثر إيلاماً أن العالم لم ينتظرنا.

 

في مصر والسعودية رأيت قطارات تسير بسرعات تصل إلى 300 كيلومتر في الساعة، قطارات مكيفة ومريحة، وعربات حديثة لنقل البضائع، وأنظمة تشغيل وخدمات لوجستية تتطور كل يوم.

 

ونحن ما زلنا نفتقد حتى صوت الصافرة!

 

يا لها من مفارقة مؤلمة!

 

بلد كان يمتلك شبكة سكك حديدية عريقة وخبرة متراكمة وورشاً ومحطات وكوادر، ثم ترك كل ذلك يتآكل حتى أصبح الحديث عن إعادة تشغيل السكة الحديد وكأنه مشروع من الخيال!

 

ومن المسؤول؟

 

ليس المواطن.

 

وليس العامل البسيط الذي ظل متمسكاً بمهنته ومؤسسته.

 

المسؤولية تقع على عقود من سوء الإدارة، والتسييس، والصراع السياسي، والعبث بالمؤسسات، والنظر إلى المرافق العامة باعتبارها ساحات للنفوذ لا أدوات لبناء الدولة.

 

والذين فعلوا ذلك لا يحق لهم اليوم أن يقفوا أمام الناس ليتحدثوا عن التنمية وإعادة بناء السودان!

 

من هدم المؤسسة لا يصلح أن يكون مهندس إعادة بنائها.

 

السكة الحديد اليوم ليست مجرد حنين إلى الماضي.

 

إنها ضرورة اقتصادية وأمنية وتنموية.

 

كيف سننقل ملايين الأطنان من المحاصيل؟

كيف سنربط مناطق الإنتاج بالموانئ؟

كيف سنخفض تكلفة نقل البضائع؟

كيف سنعيد الحياة إلى الأقاليم؟

كيف سنجعل ميناء بورتسودان بوابة حقيقية للصادرات والواردات؟

 

هل سنفعل كل ذلك بالشاحنات فقط؟

 

وكم سندفع مقابل ذلك من وقود وطرق وصيانة ووقت؟

 

السكة الحديد ليست مشروعاً كمالياً حتى نؤجله إلى ما بعد انتهاء كل شيء.

 

بل هي واحدة من الأدوات التي يمكن أن تساعد في إعادة بناء كل شيء.

 

نحتاج إلى مشروع قومي لإعادة تأهيل السكة الحديد، بعيداً عن المحاصصة الحزبية، وبعيداً عن عقلية «هذه حصتي وتلك حصتك».

 

نحتاج إلى خبراء ومهندسين وإدارة محترفة، ونحتاج إلى شراكات استثمارية حقيقية، ونحتاج إلى رؤية تمتد من وادي حلفا إلى بورتسودان، ومن الشمال إلى كردفان ودارفور، وإلى كل مكان يمكن أن تصل إليه القضبان.

 

أعيدوا للسكة الحديد حياتها… قبل أن يتحول تاريخها إلى مجرد صور قديمة في ألبومات الآباء.

 

وأقولها بلا مواربة:

 

أرحموا عزيز قومٍ ذلّ!

 

اتقوا الله في السكة الحديد.

 

اتقوا الله في مؤسسة ربطت السودان لعشرات السنين، ثم تركتموها تتهاوى تحت ضربات السياسة وسوء الإدارة.

 

أعيدوا لها مجدها…

أعيدوا لها القاطرات…

أعيدوا لها الورش والمحطات…

أعيدوا لها الكوادر والخبرات…

وأعيدوا إلى السودان صافرة القطار التي غابت طويلاً.

 

وأبعدوا عنها جماعة «ساس يسوس».

 

فالسودان لم يعد يحتمل المزيد من السياسيين الذين يجيدون الكلام عن الدولة ولا يجيدون بناء مؤسسة واحدة.

 

لقد سئمنا من الذين يتحدثون عن إدارة الدولة وهم لا يعرفون كيف يديرون مرفقاً.

 

السكة الحديد لا تريد خطيباً.

 

السكة الحديد تريد دولة.

 

ودولة تعرف ماذا تريد… وتعرف كيف تبني… وكيف تحاسب من يهدم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى