مقالات الظهيرة

د. عبد الوهاب عبد الفضيل يكتب… الجامعة… ذاكرة المعرفة( 2)

ليست الجامعة قاعاتٍ دراسيةً ومحاضراتٍ وامتحاناتٍ وشهادات تخرج فحسب؛ الجامعة في جوهرها ذاكرةٌ حيّة للمعرفة والمجتمع.

 

ففي أروقتها تتشكل الأفكار، وتُولد البحوث، وتُناقش القضايا، ويترك أساتذة وطلاب وموظفون بصماتهم في مسيرة أجيال كاملة. ولهذا فإن تاريخ الجامعة ليس ملكًا لإدارتها وحدها، وإنما هو جزء من الذاكرة العلمية والثقافية للمجتمع.

 

لكن السؤال الذي يستحق أن نطرحه بجدية:

 

ماذا يبقى من تاريخ الجامعة إذا لم نوثقه؟

 

قد يرحل أستاذ قضى أربعين عامًا في التعليم، فتُطوى صفحته بانتهاء خدمته. وقد تتخرج دفعات متعاقبة من الطلاب، ثم لا نجد بعد سنوات سجلًا يروي قصصهم وإنجازاتهم. وقد تُعقد مؤتمرات وندوات علمية مهمة، وتُنجز بحوث ودراسات رائدة، ثم تضيع تفاصيلها بين الملفات المتناثرة والأرشيف غير المنظم.

 

وهنا تظهر قيمة التوثيق.

 

فالجامعة التي توثق تاريخها لا تحفظ الماضي من أجل الماضي، وإنما تمنح الأجيال الجديدة فرصة لمعرفة الطريق الذي سلكه السابقون.

 

إن أرشيف الجامعة ليس مجرد أوراق قديمة توضع في خزائن مغلقة. إنه سجل للمعرفة، وشاهد على تطور المجتمع، ومصدر للباحثين، وذاكرة للأجيال.

 

ولذلك ينبغي أن يشمل التوثيق الجامعي أكثر من القرارات الإدارية والمكاتبات الرسمية. يجب أن تمتد الذاكرة إلى الأساتذة والباحثين، والطلاب والخريجين، والبحوث العلمية، والمؤتمرات، والمناهج، والمبادرات المجتمعية، والإنجازات، وحتى التحديات والإخفاقات.

 

فالأمم لا تتقدم بإخفاء أخطائها، بل بدراسة أخطائها وتوثيق تجاربها حتى لا تعيد إنتاجها.

 

وفي عصر التحول الرقمي، أصبحت مهمة التوثيق أكثر سهولة من ذي قبل، لكنها في الوقت نفسه أصبحت أكثر إلحاحًا. فالمعلومات الرقمية يمكن أن تنتشر بسرعة هائلة، لكنها قد تختفي بالسرعة نفسها إذا لم تكن هناك مؤسسات تحفظها وتفهرسها وتضمن إمكانية الرجوع إليها.

 

ولعل الجامعات السودانية، بما لها من تاريخ طويل وإسهام كبير في بناء الدولة والمجتمع، بحاجة إلى إعادة النظر في مفهوم الأرشيف الجامعي، بحيث لا يكون غرفة لحفظ الملفات، بل مشروعًا مؤسسيًا متكاملًا لحفظ الذاكرة العلمية والوطنية.

 

تخيلوا لو أن لكل جامعة أرشيفًا رقميًا مفتوحًا يحفظ صور روادها، وسير أساتذتها، وإنتاج علمائها، وتاريخ كلياتها، وأهم أطروحاتها، ومؤتمراتها، وشهادات خريجيها، وتسجيلات ندواتها، ووثائق مراحل تطورها.

 

كم سيكون ذلك ثروة للباحثين؟

 

وكم سيكون مصدر إلهام للطلاب؟

 

وكم سيمنح الأجيال القادمة صورة أكثر صدقًا عن رحلة التعليم العالي في السودان؟

 

إن الجامعة التي تحفظ ذاكرتها، تحفظ جزءًا من ذاكرة الوطن.

 

ولهذا، فإن التوثيقممتاز. أقترح أن تكون السلسلة بعنوان «التوثيق… ذاكرة الأمة»، وأن تحمل كل حلقة زاوية مختلفة حتى لا تتكرر الأفكار.

 

السلسلة المقترحة

 

التوثيق… ذاكرة الأمة

 

لماذا تحتاج الأمم إلى حفظ ذاكرتها؟ ومن يملك حق كتابة التاريخ؟

 

الإعلام… شاهد لا ينسى

 

دور الصحافة والإعلام في توثيق الأحداث، وحفظ الصورة والصوت والشهادة للأجيال.

 

الجامعة… ذاكرة المعرفة

 

توثيق تاريخ الجامعات، الأساتذة، الطلاب، البحوث، المؤتمرات، والإنجازات الأكاديمية.

 

حين يتكلم الكبار… التوثيق الشفهي

 

شهادات كبار السن وصناع الأحداث؛ لماذا يجب أن نستمع إليهم قبل أن تضيع الذاكرة برحيلهم؟

 

الأرشيف الرقمي… ذاكرة لا تعرف الحدود

كيف نحفظ الوثائق والصور والتسجيلات في عصر الهاتف ومنصات التواصل الاجتماعي؟ وما مخاطر ضياعها؟

السودان الذي لا نريد أن ننساه

حلقة ختامية أكثر وطنية ووجدانية، تدعو إلى مشروع سوداني مؤسسي لحفظ الذاكرة الوطنية.

وأرى أن نبدأ بالحلقة الثانية: «الإعلام… شاهد لا ينسى»، لأنها ستكون امتدادًا طبيعيًا للعمود الأول، ويمكن صياغتها بأسلوب صحفي قوي يصلح للنشر في صحيفة أو منصة إعلامية. في المؤسسات الأكاديمية ينبغي ألا يُنظر إليه باعتباره عملًا إداريًا هامشيًا، بل باعتباره جزءًا من رسالة الجامعة نفسها.

فالجامعة تُعلّم الإنسان كيف يصنع المعرفة، والتوثيق يحفظ تلك المعرفة من الضياع.

وفي النهاية، قد تتغير المباني، وتتبدل الإدارات، وتتغير المناهج، ويرحل الأساتذة والطلاب، لكن ما يُوثق يبقى شاهدًا على أن أجيالًا مرت من هنا، وفكرت، وبحثت، وعلّمت، وأسهمت في صناعة المستقبل.

الجامعة ليست فقط مكانًا تُنتج فيه المعرفة… إنها مكان يجب أن تُحفظ فيه ذاكرة المعرفة أيضًا.

 

whba938@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى