مقالات الظهيرة

د. عبد الوهاب عبد الفضيل يكتب… الإعلام… شاهد لا ينسى ( 3 ) 

قد ينسى الناس تفاصيل الحدث لكن الإعلام الجاد لا ينبغي أن ينساه.

منذ أن عرف الإنسان الصحيفة والراديو والتلفزيون لم يعد الإعلام مجرد وسيلة لنقل الأخبار بل أصبح شاهدًا على العصر، وذاكرةً تحفظ ما يحدث في المجتمع لحظة بلحظة ، فالخبر الذي نقرؤه اليوم قد يتحول غدًا إلى وثيقة تاريخية، والصورة التي تبدو عابرة قد تصبح بعد سنوات الدليل الوحيد على تفاصيل مرحلة كاملة.

وهنا تكمن مسؤولية الإعلام.

فالإعلامي لا يكتب للحظة وحدها، بل يكتب ــ في كثير من الأحيان ــ للمستقبل أيضًا. وكلما كان الحدث مهمًا، ازدادت مسؤولية الصحفي في تسجيله بدقة، وحفظ مصادره، وتوثيق سياقه، والتمييز بين الخبر والرأي، وبين الحقيقة والانطباع

لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه:

هل تقوم مؤسساتنا الإعلامية بحفظ ما تنتجه من ذاكرة؟ كم من صحيفة صدرت لعقود، ثم أصبح الوصول إلى أعدادها القديمة أمرًا بالغ الصعوبة؟

وكم من مقابلة مهمة أُجريت مع شخصية وطنية أو أكاديمية أو مجتمعية، ثم اختفى تسجيلها؟ وكم من صورة وثقت حدثًا مهمًا، لكنها بقيت في أرشيف شخصي أو هاتف قد يتعرض للعطب والضياع؟

هذه ليست مشكلة تقنية فقط إنها مشكلة تتعلق بذاكرة المجتمع.

فالإعلام الذي لا يحفظ أرشيفه يفقد جزءًا من تاريخه، والمجتمع الذي يفقد أرشيف إعلامه يفقد نافذة مهمة يستطيع من خلالها أن يرى ماضيه ويفهم تحولاته ، وفي السودان حيث لعبت الصحافة والإذاعة والتلفزيون أدوارًا مهمة في تشكيل الوعي العام، يصبح حفظ الأرشيف الإعلامي مسؤولية وطنية وثقافية. فالصحف القديمة ليست أوراقًا صفراء فحسب بل تمثل سجل للحياة السياسية والاجتماعية والثقافية. والصور الإخبارية ليست مجرد لقطات؛ إنها شهادات بصرية على زمن كامل. والتسجيلات الإذاعية والتلفزيونية ليست مواد انتهت صلاحيتها؛ إنها أصوات أجيال وشهادات شخصيات ربما رحلت ولم تترك وراءها إلا ما سجله الإعلام.

ومن هنا، فإن المؤسسات الإعلامية مطالبة اليوم بأن تنظر إلى أرشيفها باعتباره ثروة وطنية، لا مجرد ملفات قديمة، نحن بحاجة إلى مشاريع جادة لرقمنة الصحف القديمة، وحفظ التسجيلات الصوتية والمرئية، وفهرسة الصور، وتوثيق المقابلات، وإتاحة المواد التاريخية للباحثين والطلاب والإعلاميين.

كما نحتاج إلى وعي جديد لدى الصحفي نفسه: أن ما يكتبه أو يصوره اليوم قد يصبح مادة يعتمد عليها باحث بعد عشرات السنين.

ولهذا، فإن الدقة ليست فقط أخلاقًا مهنية؛ إنها أيضًا مسؤولية تجاه التاريخ.

فخبر غير دقيق قد يتحول إلى رواية خاطئة، وصورة بلا تاريخ أو مكان قد تفقد قيمتها، ومعلومة بلا مصدر قد تفتح الباب أمام روايات متضاربة.

أما الإعلام المهني، فيترك وراءه أثرًا يمكن الرجوع إليه.

إن الإعلام الحقيقي لا يعيش في الحاضر فقط.

إنه يسجل الحاضر ليصبح ذاكرة للمستقبل.

ولذلك، فإن المؤسسات الإعلامية السودانية مدعوة إلى التفكير في إنشاء أرشيف إعلامي وطني رقمي يجمع ما أمكن من الصحف والمجلات والصور والتسجيلات والبرامج والحوارات والوثائق، ويحفظها وفق معايير مهنية تضمن سلامتها وسهولة الوصول إليها.

فالأجيال القادمة ستسأل ذات يوم:

ماذا حدث؟

كيف كان الناس يفكرون؟

ماذا قالت الصحافة؟

من شهد الأحداث؟

وماذا ترك لنا الإعلام من شهادات؟

وعندها لن يكون كافيًا أن نقول: «كان هناك إعلام».

بل يجب أن تكون لدينا وثائق تقول:

نعم، كان هناك إعلام… وكان شاهدًا، وسجّل، وحفظ، ولم ينسَ.

فالصحفي يغادر، والمحرر يتقاعد، والصحيفة تتوقف، والقناة تتغير، لكن الأرشيف يبقى.

ومن هنا…

الإعلام ليس فقط عين المجتمع التي ترى، ولا صوته الذي يتحدث؛ إنه ذاكرته التي لا ينبغي أن تنسى.

whba938@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى