رؤية وطنية نكتب للوطن ونفكر للمستقبل يكتب… في رحاب الحقيقة… حين يكون الحوار طريقًا إلى الدولة لا طريقًا إلى السلطة

بقلم /أبو عبيدة أحمد علي
=================
قرأتُ مقال الأستاذ والكاتب المحترم إبراهيم شقلاوي: «السودان… حوار الدولة والسلطة»، فهزّ في النفس سكونًا عميقًا، كأنما هو صوتٌ خرج من بين ركام الضجيج ليعيد إلى الأذهان أن في السياسة معنى أسمى من الصراع، وأن في الوطن حقيقةً أرفع من الغلبة. وجدتُ فيه نغمةً هادئة في زمنٍ اضطربت فيه النغمات، ورؤيةً تحاول أن تردَّ النقاش السوداني إلى موضعه الصحيح: الدولة أولًا، ثم السلطة.
وما أحوجنا اليوم إلى هذه الحقيقة التي غيّبتها سنوات الاستقطاب والصراع، حتى كادت السياسة عند بعضنا أن تتحول إلى وطنٍ بديل، وأصبح الوطن عند آخرين مجرد وسيلة للوصول إلى السلطة، كأنما الأوطان تُختصر في مقاعد، وكأنما الشعوب تُختزل في صناديق اقتراع.
لقد أصاب الأستاذ شقلاوي حين وضع يده على الجرح، وأعلنها واضحة لا لبس فيها: يمكن أن نختلف على السلطة، ولكن لا يجوز أن نختلف على الدولة.
فالسلطة ظلٌّ عابر، والدولة كيانٌ باقٍ؛ والحكومات تتبدل كما تتبدل الفصول، أما الوطن فلا ينبغي أن يتبدل بتبدل الحكومات. الحزب قد يخسر، والائتلاف قد يسقط، والحكومة قد ترحل، ولكن السودان — هذا الاسم الذي يسكن القلب قبل الجغرافيا — يجب أن يبقى، ثابتًا كالجذور، عميقًا كالمعنى.
ومن هنا، فإن الحوار السوداني السوداني الذي ننشده لا ينبغي أن يكون سوقًا تُباع فيه المواقف وتُشترى فيه المواقع، ولا مائدةً تُقسم عليها الغنائم بين المتنازعين، وإنما يجب أن يكون مؤتمرًا للولادة من جديد؛ ولادة دولةٍ تُبنى على قاعدةٍ صلبة، يكون فيها الوطن فوق الحزب، والدولة فوق السلطة، والقانون فوق الجميع، والإنسان فوق كل اعتبار.
وأحسب أن من أعمق ما تميز به مقال شقلاوي أنه رفض الإقصاء السياسي من حيث المبدأ، وفي الوقت نفسه رفض أن يتحول الحوار إلى ستارٍ تُخفى خلفه الجرائم، أو مظلةٍ تُمنح تحتها الحصانات لمن لوثوا يد الوطن بالدم أو المال أو الخراب.
وهذه معادلة دقيقة لا بد أن تُفهم بوعيٍ لا يختلط فيه الحق بالهوى:
لا إقصاء بسبب الرأي السياسي، ولا حصانة بسبب الانتماء السياسي.
فمن حق السوداني أن يختلف، وأن يعارض، وأن ينتمي، وأن يجادل بالحجة والكلمة، وأن يدافع عن مشروعه السياسي بكل الوسائل السلمية؛ ولكن ليس من حق أحد، تحت أي راية كانت، أن يجعل من السياسة غطاءً للجريمة، أو من الانتماء درعًا يقيه من العدالة.
فالسياسة — مهما علت — لا تُطهّر الدم، ولا تُبرر النهب، ولا تُغسل بها أيدي الخراب. كما أن العدالة — مهما اشتدت — لا يجوز أن تتحول إلى سيفٍ أعمى يُشهر في وجه الخصوم.
وهنا تكمن دقة المسألة وخطورتها، حيث يلتبس العدل بالانتقام، وتضيع الحقيقة بين ضجيج الشعارات.
إننا نريد حوارًا لا تقوده الشمولية، ولا تحكمه الديكتاتورية، ولا تصوغه الإملاءات الخارجية، ولا تفرضه موازين القوة والسلاح؛ وإنما حوارًا ينهض من ضمير السودانيين أنفسهم، يجلس فيه الناس إلى بعضهم بعضًا، لا كغالب ومغلوب، ولا كمالكٍ ومملوك، بل كمواطنين متساوين في الكرامة والحق والواجب.
لكن الحوار، مهما سما، لا يعني أن نُطفئ نور الحقيقة، ولا أن نطلب من الضحايا أن يبتسموا فوق جراحهم باسم التسامح.
فالسودان يحتاج إلى عدالة انتقالية حقيقية؛ عدالة لا تعرف الانتقام، ولكنها لا تعرف النسيان القسري، ولا الإفلات من الحساب.
من قتل يُسأل عن دمه، ومن اغتصب يُسأل عن جريمته، ومن نهب يُسأل عن المال الذي اختلسه، ومن دمّر يُسأل عن الخراب الذي خلّفه، ومن خان الوطن أو تواطأ عليه يُحاسب وفق القانون، لا وفق موقعه أو لونه السياسي.
وفي الوقت نفسه، يجب أن تُصان العدالة من أن تتحول إلى أداة تصفية، أو وسيلة لإقصاء تيارٍ كامل تحت لافتة المحاسبة.
فالفرد يُحاسب عن فعله، لا عن فكره، والجماعة تُسأل قانونًا إذا ثبتت مسؤوليتها، أما الرأي السياسي فلا يُجرَّم لأنه رأي.
تلك هي الدولة التي نريدها.
دولة لا تنتقم، ولكنها لا تنسى دماء أبنائها.
دولة لا تُقصي الناس بسبب أفكارهم، ولكنها لا تسمح أن تتحول الأفكار إلى جسورٍ للجريمة.
دولة لا تحاكم بالهوى، ولا تُبرئ بالانتماء.
وهنا فقط تصبح العدالة الانتقالية جسرًا إلى المصالحة، لا جدارًا يعزل المستقبل عن الماضي؛ لأن المصالحة التي تُبنى فوق الجراح دون تطهيرها قد تبدو سلامًا، لكنها في باطنها نارٌ هادئة تنتظر لحظة الاشتعال.
لقد دفع السودان ثمنًا باهظًا لأنه أخطأ طويلًا في الفصل بين الدولة والسلطة.
وحين صارت السلطة عند البعض هي الدولة، أصبح إسقاطها إسقاطًا للوطن، وأصبح نقد الحاكم خيانةً، وأصبح الاختلاف السياسي عداوةً وجودية، وكأن السياسة قدرٌ لا يُحتمل فيه التعدد.
وهذا هو الخطأ الذي يجب ألا نكرره.
ليس المطلوب أن نتفق على كل شيء، بل أن نتفق على ما لا يجوز فيه الاختلاف:
وحدة السودان، وسيادته، واستقلال قراره، وحرمة الدم السوداني، وهيبة مؤسسات الدولة، واستقلال القضاء، وسيادة القانون، واحتكار الدولة للسلاح، والتداول السلمي للسلطة.
أما ما عدا ذلك، فمساحة رحبة للاجتهاد والتنافس والتنوع.
إن السودان لا يحتاج إلى حوارٍ يبدأ بسؤال: «من يحكم؟» قبل أن يجيب عن سؤالٍ أعمق وأبقى: «كيف نحكم؟»
ولا يحتاج إلى صراعٍ على الكراسي، بل إلى اتفاقٍ على القواعد التي تجعل الكرسي نفسه خاضعًا لإرادة الشعب، لا لإرادة السلاح، ولا لسطوة الخارج، ولا لهيمنة الغلبة.
وأشد ما يحتاج إليه السودان اليوم أن نُدرك أن الوطن ليس غنيمة المنتصر، ولا إرث الحاكم، ولا ملك حزب، ولا مزرعة جماعة؛ بل هو روحٌ مشتركة، إذا انكسرت انكسر الجميع.
ولهذا فإنني أحيي الأستاذ إبراهيم شقلاوي على شجاعته في طرح هذه المعاني في هذا الظرف الدقيق، وعلى محاولته أن يعيد للحوار وجهه النبيل: طريقًا لاستعادة الدولة، لا وسيلةً لإعادة اقتسام السلطة.
وأقول، مؤيدًا ما ذهب إليه، إن الحوار الحقيقي يجب أن يكون سودانيًا خالصًا، مفتوحًا لكل من يؤمن بالدولة والقانون والسلم، وألا يُستخدم الإقصاء السياسي عقوبةً على الرأي أو الانتماء.
لكن في المقابل، يجب أن تبقى أبواب العدالة مفتوحة، لا تُغلق في وجه أحد، ولا تُفتح لأحد دون آخر، إلا بميزان القانون وحده.
فليس في الدولة العادلة «مواطن فوق القانون»، وليس فيها كذلك «مواطن خارج القانون» لمجرد أنه خصم سياسي.
نريد دولةً لا تحمي المجرم لأنه سياسي، ولا تُجرّم السياسي لأنه خصم.
تلك هي الدولة التي تستحق أن يُبذل من أجلها كل هذا العناء.
وإذا كان الشهداء قد مضوا بدمائهم ليحفظوا للسودان كرامته، فإن الوفاء لهم لا يكون بتحويل دمائهم إلى وقودٍ لصراعٍ جديد، ولا بجعل تضحياتهم تفويضًا مفتوحًا لأحد؛ بل بأن نبني الدولة التي حلموا بها: دولةً عادلةً قويةً، تُصان فيها الكرامة، ويُحكم فيها بالقانون، ويعيش فيها الناس أحرارًا تحت سماء واحدة.
لقد آن للسودانيين أن يخرجوا من السؤال القديم:
من يحكم السودان؟
إلى السؤال الأجمل والأبقى:
أيُّ سودان نريد؟ وأيُّ وطن نتركه لأبنائنا؟
فإذا اتفقنا على الدولة، هان اختلافنا على السلطة.
وإذا اختلفنا على الدولة، ضاعت كل سلطة، وتاه الوطن بين الأيدي.
فالسلطة تُتداول، والدولة تبقى؛ والحكومة تُغيَّر، والوطن لا يُبدَّل؛ والسياسي يُحاسَب، والقانون لا يُساوَم عليه.
وهذه، في تقديري، هي خلاصة الرسالة التي حملها مقال الأستاذ إبراهيم شقلاوي، في صدقٍ وهدوءٍ ونُبل.
فله التحية والتقدير، ولعل هذا المقال يكون بدايةً لحوارٍ أعمق وأصدق، حوارٍ لا يجمع السودانيين على اقتسام السلطة، بل يجمعهم على إنقاذ الدولة وبناء وطنٍ يتسع للجميع، ويليق بتضحيات الجميع.
حفظ الله السودان، ورحم شهداءه، وجبر كسر أهله، وردّ إليه أمنه وعافيته، وجمع كلمته على الحق، وجعل اختلاف أبنائه اختلاف تنوعٍ لا اختلاف تناحر، وبناءٍ لا هدم.
والله من وراء القصد.
abuobidaabass949@gmail.com
00201096351339 & 00201147373693



