مقالات الظهيرة

أبوعبيدة أحمد علي يكتب في (رؤية وطنية) : حين يصبح المسؤول شريكًا في الأزمة!!

ليس البلاء كلُّه فيما ينزل بالأوطان من شدائد، فإن الأيام دول، وإن المحن سنةٌ ماضية لا ينجو منها شعب ولا أمة، ولكن البلاء الحق أن تُفتح للنجاة أبوابها، ثم تقف بينها وبينها يدٌ مترددة، أو إرادةٌ فاترة، أو قرارٌ تأخر حتى سبقته الكارثة إلى الناس.

ولقد خلق الله الزمن نعمةً لا تُشترى، وجعل الدقيقة الواحدة في حياة الأمم أثمن من خزائن الذهب؛ لأن الذهب إذا ضاع أمكن جمعه، أما الزمن إذا مضى فلن يعود، وما أشبه القرار المتأخر بالغيث الذي يأتي بعد أن يحترق الزرع، أو بالطبيب الذي يصل بعد أن يسكن النبض، أو بالسفينة التي ترسو بعدما غرق ركابها. فما نفع الخير إذا جاء بعد فوات أوانه؟ وما قيمة الحكمة إذا سبقتها الخسارة؟

إن أكثر الأزمات لا تنشأ من عجز الموارد، وإنما من بطء الحركة. وكم من دولةٍ نهضت بإمكانات قليلة لأنها كانت سريعة القرار، وكم من دولةٍ امتلكت الكنوز، ثم أقعدها التردد حتى صارت ثرواتها شاهدًا على تقصيرها لا على قوتها.

وأزمة الكهرباء في السودان ليست استثناءً من هذه الحقيقة. فليس الذي يؤلم المواطن انقطاع التيار وحده، وإنما أن يشعر بأن الزمن يمضي، وأن معاناته تطول، بينما تنتظر الحلول من يحررها من أسر المكاتبات والإجراءات. فحين يصبح الانتظار أطول من العمل، يتحول التأخير نفسه إلى جزءٍ من الأزمة، بل إلى شريكٍ فيها.

إن الإدارة ليست فنَّ المحافظة على الملفات، وإنما فنُّ تحريكها. وليست مهارة المسؤول أن يعرف أين توضع الأوراق، بل أن يعرف متى يجب أن تتحول الورقة إلى قرار، والقرار إلى عمل، والعمل إلى أثر يراه الناس في حياتهم.

ولقد أثارت الأستاذة سهير عبدالرحيم قضيةً تستحق التأمل، لأنها أعادت إلى الواجهة سؤالًا لا ينبغي أن يغيب عن أي مؤسسة عامة: كيف تتعامل الدولة مع المبادرات الوطنية؟ فإذا وجد من يعرض جهدًا أو مالًا أو خبرةً لخدمة وطنه، فإن أول حق له أن يجد استجابةً واضحة؛ قبولًا إذا أمكن، أو اعتذارًا مسببًا إذا تعذر. أما أن يبقى الأمر معلقًا، فإن التعليق يرهق الثقة كما يرهق الناس انقطاع الكهرباء.

ولست أكتب هذا لأدين أحدًا بعينه، فالأحكام موطنها التحقيق، والوقائع ميزانها الدليل، ولكنني أكتب دفاعًا عن مبدأٍ لا تقوم دولة قوية إلا عليه؛ وهو أن الزمن عنصرٌ من عناصر المسؤولية. فمن أضاع الوقت في المرافق الحيوية، فقد أضاع شيئًا من حقوق الناس، وإن لم يقصد إلى ذلك.

إن المسؤول لا يُحاسب على نيته وحدها، فالنيات الصالحة لا تكفي لإضاءة مدينة، وإنما يُحاسب على ما أنجز، وعلى ما حال بينه وبين الإنجاز، لأن الناس يعيشون بالنتائج، لا بالتبريرات.

ولقد علمتنا السنن أن النهر لا يبدأ بحرًا، وإنما يبدأ قطرة، وأن البناء لا يبدأ قصرًا، وإنما يبدأ حجرًا، وكذلك الأزمات؛ تبدأ بتأجيل يوم، ثم أسبوع، ثم شهر، حتى يستيقظ الجميع فإذا ما كان صغيرًا قد غدا جبلًا، وما كان يسيرًا قد صار معضلةً تؤرق وطنًا بأسره.

فيا أيها المسؤول، إذا جاءتك فرصةٌ لتخفيف آلام الناس، فلا تجعلها أسيرة التوقيعات، ولا رهينة الأدراج، فإن المواطن الذي ينتظر الكهرباء لا يعنيه كم لجنةً اجتمعت، ولا كم مذكرةً كُتبت، وإنما يعنيه أن يعود الضوء إلى بيته، وأن يعود الأمل إلى قلبه.

همسة في سبيل الوطن

إن التاريخ لا يكتب أسماء الذين كانوا أكثر الناس انشغالًا، بل يكتب أسماء الذين كانوا أكثرهم إنجازًا. وقد يغفر الشعب خطأ الاجتهاد، ولكنه قلَّ أن يغفر تقصيرًا كان سببه البطء، أو التردد، أو غياب الإحساس بأن وراء كل قرارٍ مؤجل إنسانًا يتألم، ووطنًا ينتظر.

اللهم ارزق القائمين على شؤون بلادنا بصيرةً تهديهم إلى صواب القرار، وعزيمةً لا تعرف التردد في خدمة الناس، واجعل الوقت في أيديهم بابًا للإنجاز لا ميدانًا للتأجيل، وأعن السودان على أن ينهض من محنته قويًا موحدًا، إنك ولي ذلك والقادر عليه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى