د. إسماعيل الحكيم يكتب… من يوثّق ذاكرة الانتصار؟

خطر لي سؤال وأنا أتابع صوراً ومقاطع تتدافع على منصات التواصل الاجتماعي من ساحات الحرب كلما تقدم الجيش وأحرز نصراً وتفوقاً : هل هناك من يجمع هذه الشظايا الرقمية ليصنع منها ذاكرة موثقة للحرب؟
السؤال ليس عن أرشيف صور وفيديوهات فحسب؛ ولكن عن تاريخ بلد تتغير خرائطه أمام أعيننا.
فماذا يعني أن تلتقي قوة عسكرية بقوة أخرى بعد أن ظلت منطقتان معزولتين إحداهما عن الأخرى؟ وماذا يعني أن يُفك حصار عن حي عاش أهله شهوراً خلف جدار من الخوف؟ وماذا يعني أن يعبر الجيش جسراً أعاد وصل مدينتين كانتا منفصلتين؟
هذه ليست تفاصيل في خبر كسائر الأخبار . هذه لحظات تختصر تاريخاً.
لكن الخطر أن تتحول اللحظة التاريخية إلى مقطع قصير في «السوشيال ميديا»: ينتشر اليوم، يختفي غداً، ثم يصبح العثور عليه بعد سنوات أشبه بالبحث عن إبرة في كومة رقمية هائلة.
هنا تأتي أهمية التوثيق.
ليس المقصود صناعة رواية دعائية، ولا كتابة التاريخ بعين واحدة؛ وإنما حفظ الوثيقة الأصلية: الصورة، والفيديو، والتاريخ، والمكان، والشهادة، والخريطة، والبيان، وكل ما يساعد الباحث مستقبلاً على معرفة ما حدث كما وقع، لا كما أعيدت روايته بعد سنوات.
إنها مسألة تتجاوز الإعلام إلى حفظ الحقوق وصون الكرامة الوطنية.
فمن حق الجندي الذي خاض معركة، والمواطن الذي عاش الحصار، والمدينة التي دُمرت ثم عادت للحياة، أن تبقى شهادتهم محفوظة في سجل الوطن.
ومن حق الأجيال القادمة أن تعرف كيف عاشت بلادها هذه المرحلة، ومن حق المؤرخ أن يجد الوثيقة لا الرواية الشفوية وحدها.
لذلك، فإن إنشاء أرشيف وطني للحرب والتحولات التي صنعتها لم يعد نفلاً ثقافياً. نحتاج إلى جهة تجمع ما تناثر في هواتف المواطنين، وكاميرات الصحفيين، وأرشيف المؤسسات، وما لدى القوات النظامية من وثائق وصور وخرائط، ثم تحفظه وتؤرخه وتفهرسه وفق منهج مهني.
لقد أدركت دول كثيرة أن الذاكرة جزء من قوتها، وأن الوثيقة قد تكون بعد عقود أقوى من الخطاب.
والسودان أحوج ما يكون اليوم إلى هذه الذاكرة.
فقد نخسر شيئاً من التاريخ إذا تركنا أحداثاً بهذا الحجم تتبخر في زحام المنصات.
والأخطر من أن يضيع الحدث أن يأتي من يكتب روايته نيابة عنا.
لهذا فإن السؤال الذي يستحق أن يبقى مفتوحاً هو:
من يوثّق انتصارات السودان وتضحيات أبنائه؟ ومن يحرس ذاكرة هذه المرحلة من الضياع؟
لأن ما يحدث اليوم لن يبقى خبراً إلى الأبد.
سيصبح تاريخاً.
والتاريخ الذي لا نوثقه ونحن شهوده، قد نضطر غداً إلى البحث عنه في روايات الآخرين.



