د. عبد الرؤوف قرناص يكتب… مؤتمر الطاقة الشمسية… والصحراء النوبية… ومحطة بنبان المصرية!!

يتطور قطاع الطاقة الشمسية في مصر بسرعة تستحق الإعجاب… وتستحق معها أن نسأل أنفسنا سؤالًا محرجًا:
ماذا نفعل نحن؟
بالقرب من أسوان تقع قرية بنبان، التي أصبحت عنوانًا لمشروع ضخم للطاقة الشمسية، وتحولت الصحراء المصرية من مجرد مساحة جرداء إلى واحدة من أهم مناطق إنتاج الكهرباء من الشمس.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا عندما ننظر إلى الصحراء النوبية في السودان، الممتدة من أبو حمد حتى وادي حلفا.
من سافر قديمًا بالقطار من الخرطوم إلى وادي حلفا يعرف هذه الصحراء جيدًا.
محطات النمر… من نمرة 10 إلى نمرة 1.
مسافات شاسعة، لا ترى فيها إلا خط السكة الحديد، وأعمدة الهاتف الخشبية، وصحراء لا يكاد ينقطع امتدادها.
لكننا ظللنا ننظر إلى هذه المساحة باعتبارها صحراء… بينما ينظر إليها العالم اليوم باعتبارها أصلًا اقتصاديًا.
وهنا الفرق بين من يرى الأرض كما هي، ومن يرى ما يمكن أن تصبح عليه.
هذه الصحراء تمتلك موردًا لا ينضب تقريبًا:
الشمس.
ساعات طويلة من الإشعاع الشمسي، ومساحات هائلة، وغياب المنافسة مع الأراضي الزراعية، وإمكانية إقامة مشروعات ضخمة للطاقة.
فماذا ننتظر؟
هل ننتظر أن يأتي مستثمر أجنبي ويكتشف شمسنا نيابة عنا؟
هل ننتظر أن يسبقنا الآخرون إلى استثمار صحرائنا، ثم نعود بعد سنوات لنتحدث عن الفرص الضائعة؟
مصر فعلتها… فلماذا لا نفعلها؟
نحن لا نتحدث عن حلم خيالي أو تكنولوجيا لم تصل إليها البشرية.
لدينا تجربة مصرية قريبة يمكن دراستها والاستفادة منها، ولدينا أرض شاسعة، ولدينا الشمس، ولدينا حاجة هائلة للكهرباء.
بل إننا نملك ميزة إضافية: الحاجة إلى الطاقة في السودان ليست ترفًا.
الكهرباء تعني مصانع تعمل، وآبارًا تضخ المياه، ومشروعات زراعية تتحرك، ومستشفيات تستمر، ومدنًا تنمو، وسكة حديد يمكن أن تعود للحياة.
ولهذا فإن مؤتمر الطاقة الشمسية يجب ألا يتحول إلى مؤتمر آخر تُلقى فيه الأوراق وتُلتقط الصور ثم ينتهي الأمر.
نريد قرارات.
نريد أن تخرج وزارة الطاقة من المؤتمر وهي تحمل مشروعًا محددًا، وموقعًا محددًا، وقدرة توليد مستهدفة، وجدولًا زمنيًا، وخطة تمويل.
ولماذا لا يكون أول تحرك هو إرسال وفد فني من وزارة الطاقة إلى بنبان؟
يدرس التجربة المصرية من الألف إلى الياء، ويجلس مع القائمين عليها، ويعرف كيف تم التمويل والتنفيذ والربط بالشبكة والصيانة، ثم يعود بورقة عملية للمؤتمر بعنوان:
«من بنبان إلى الصحراء النوبية… مشروع السودان للطاقة الشمسية».
نحن في السودان بارعون في اكتشاف الثروات بعد أن يكتشفها الآخرون.
اكتشفنا الذهب… ثم ظللنا نتحدث عن تهريبه.
لدينا الأراضي الزراعية… ثم ظللنا نستورد الغذاء.
لدينا النيل… وما زالت مدن وقرى تعاني العطش.
ولدينا الشمس والصحراء… ولا يزال الحديث عن الطاقة الشمسية عند البعض وكأنه مشروع من مشاريع المستقبل البعيد!
لا يا سادة… المستقبل وصل، ونحن الذين تأخرنا عنه.
الصحراء النوبية التي تفجرت ذهبًا من باطن الأرض، يمكن أن تتفجر طاقةً من فوق الأرض.
ولن يكون أعظم إنجاز أن نبني محطة شمسية فقط…
بل أن نجعل هذه المحطة بداية لتحويل الصحراء النوبية إلى ممر اقتصادي جديد؛ طاقة، وسكة حديد، وتعدين، وزراعة، ومدن جديدة، وصناعة، وتنمية.
هذه ليست قضية وزارة الطاقة وحدها.
هذه قضية دولة.
فالصحراء النوبية لا ينقصها شيء سوى أن تجد من ينظر إليها بعين المستقبل بدل أن ينظر إليها بعين الماضي.
الصحراء النوبية تناديكم…
فهل تسمعون؟
أضيئوا بها ليالي السودان…
وأضيئوا بها مستقبل أجيال لم تولد بعد.



