د. عبد الرؤوف قرناص يكتب… قمة العلمين… واتفاقية الدفاع المشترك… مصر والسودان… واحة أمان

قمة العلمين التي جمعت مصر والسودان وإريتريا والصومال في الرابع من أكتوبر، لم تكن مجرد اجتماع تشاوري حول قضايا الإقليم والبحر الأحمر والقرن الأفريقي، بل أعادت إلى الذاكرة السودانية والمصرية ذكريات مرحلة كان فيها الحديث عن التكامل بين البلدين مشروعًا سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا متقدمًا على زمانه. وقد أكدت القمة في إعلانها المشترك تعزيز التعاون السياسي والتجاري والاقتصادي، وإنشاء آلية لمتابعة مخرجاتها بصورة دورية.
وعلى رأس تلك الذكريات تأتي اتفاقية الدفاع المشترك بين مصر والسودان التي وقّعها الرئيسان أنور السادات وجعفر نميري في يوليو 1976، بعد منهاج العمل السياسي والتكامل الاقتصادي الموقع بين البلدين عام 1974.
كانت العلاقات في ذلك الوقت تمضي في اتجاه مختلف؛ تعاون سياسي واقتصادي وأمني، ومشروعات للتكامل، ورؤية تتجاوز حدود العلاقات التقليدية بين دولتين جارتين.
ثم جاءت لاحقًا اتفاقية الحريات الأربع التي وقعت في أبريل 2004، ومنحت مواطني البلدين حقوق التنقل والإقامة والعمل والتملك، باعتبارها خطوة نحو مزيد من التكامل بين الشعبين.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم:
لماذا لم نستطع أن نطور هذه التجارب بدل أن نتراجع عنها؟
لماذا كلما اقترب البلدان من صيغة أكثر تكاملًا، ظهر من يضع أمامها لافتة «السيادة» وكأن التعاون بين الدول المتجاورة ينتقص من سيادة أي منها؟
السيادة لا تعني أن يعيش الجار بعيدًا عن جاره.
والتكامل لا يعني إلغاء الدولة الوطنية.
ولو كان التعاون والتكامل ينتقصان من السيادة، لما ذهبت دول الاتحاد الأوروبي إلى فتح الحدود أمام مواطنيها، وتوسيع حركة التجارة، وتطوير مؤسسات مشتركة، بل والوصول إلى عملة موحدة بين عدد من دوله.
والأهم أن الشعوب الأوروبية، رغم اختلاف اللغات والتاريخ والثقافات، أدركت أن مصالحها المشتركة أكبر من الخلافات، بينما يظل الشعبان المصري والسوداني أكثر قربًا في التاريخ والجغرافيا واللغة والثقافة والروابط الاجتماعية.
فلماذا لا نفعل نحن الشيء نفسه؟
الحرب السودانية الأخيرة قدمت إجابة عملية لا تحتاج إلى لجان ولا مؤتمرات.
فعندما اشتدت الحرب، لم يحتج السودانيون إلى بروتوكول حتى يتجهوا شمالًا، ولم يحتج المصريون إلى قرار حتى يفتحوا أبوابهم.
تقاسم الشعبان لقمة العيش، واستقبلت مصر أعدادًا كبيرة من السودانيين، ووجد السوداني في مصر امتدادًا طبيعيًا للجوار والمجتمع، كما وجد المصري في السودان عمقًا بشريًا وتاريخيًا لا يمكن اختزاله في أوراق رسمية.
هذا التدفق الفطري والعفوي بين الشعبين يجب أن يتحول إلى سياسة مؤسسية.
وقمة العلمين يمكن أن تكون بداية لذلك.
ليس المطلوب استنساخ الماضي كما هو، وإنما ترميم ما تعطل وتطويره بما يناسب الحاضر.
لماذا لا نعيد فتح ملف اتفاقية الدفاع المشترك بروح جديدة؟
لماذا لا نعيد تفعيل الحريات الأربع بصورة حقيقية، لا أن تبقى مجرد نصوص؟
لماذا لا نعيد إحياء فكرة برلمان وادي النيل، أو مؤسسة تشريعية مشتركة تكون منصة للحوار والتنسيق بين البلدين؟
ولماذا لا نذهب أبعد من ذلك إلى ربط السكك الحديدية، وتسهيل حركة التجارة، وتطوير المنافذ الحدودية، وربط الكهرباء، وتشجيع الاستثمار المشترك، وفتح أبواب التعليم والعمل أمام الشباب؟
القمة الرباعية بالعلمين تحدثت عن التكامل والترابط الاقتصادي والتنمية المستدامة وتعزيز الروابط بين الشعوب.
وهنا يجب أن يكون السودان ومصر أكثر جرأة في ترجمة هذه العبارات إلى مشروعات وأرقام وجداول زمنية.
لقد أثبتت الحرب أن الجغرافيا أقوى من السياسة، والشعوب أحيانًا أكثر حكمة من النخب.
وما يجمع المصريين والسودانيين أكبر من أن تحاصره مخاوف قديمة أو نظريات مؤامرة أو حسابات سياسية عابرة.
الأجيال الجديدة لا تريد أن ترث خلافات الأجيال السابقة.
تريد طرقًا مفتوحة، وحدودًا أكثر سهولة، وتجارة واستثمارًا وتعليمًا وعملًا، وأمنًا مشتركًا، ومصالح متبادلة.
قمة العلمين إذن ليست نهاية الطريق، وإنما يمكن أن تكون فرصة لإعادة فتح الملفات التي أغلقتها السنوات.
مصر والسودان لا يحتاجان إلى اختراع علاقة جديدة… بل يحتاجان إلى إعادة بناء العلاقة التي أثبت التاريخ والجغرافيا أن الشعبين يريدانها.
مصر والسودان…
واحة أمان.



