مقالات الظهيرة

د. عبد الرؤوف قرناص يكتب…. المليشيات شرٌّ أينما وُجدت.. ورمٌ يهدد جسد الأمة!!

من اليمن إلى السودان، لا سلام مع فوضى السلاح، ولا استقرار في ظل قوى تنازع الدولة سلطتها وقرارها.

 

انعقد مجلس التعاون الخليجي لبحث دعم المملكة العربية السعودية في مواجهة الهجمات التي استهدفتها بها مليشيات الحوثي بالصواريخ والطائرات المسيّرة، في تطورات تعيد إلى الواجهة خطورة تمدد هذه الجماعات وتهديدها أمن الدول واستقرارها. كما حملت الأنباء دعوة طارئة لمجلس النواب المصري لبحث التطورات ذات الصلة.

 

إن ما يحدث في اليمن والسودان، وما قد يحدث في أي دولة أخرى، يضعنا أمام حقيقة لا ينبغي تجاهلها: عندما يتحول السلاح إلى أداة خارج سلطة الدولة، يصبح أمن المواطنين وسيادة الأوطان عرضة للخطر.

 

في اليمن، عانى الشعب لسنوات طويلة من الصراع الذي ارتبط باستيلاء الحوثيين على صنعاء وتمدد نفوذهم، فتراجعت فرص السلام والاستقرار، ودخل البلد في دوامة من المعاناة الإنسانية والاقتصادية. ذلك اليمن الذي عرفناه باسم «اليمن السعيد» أصبح شعبه يدفع أثماناً باهظة لصراع لم تنتهِ فصوله.

 

وفي السودان، دفع الشعب ثمناً فادحاً في الحرب التي أشعلها تمرد مليشيات الدعم السريع على الدولة والجيش، فتدمرت المدن، وتعرضت المؤسسات والبنية التحتية للخراب، وتشرد الملايين، وما زالت أجزاء من أرض الوطن تعاني من استمرار القتال وسيطرة المليشيات.

 

والقاسم المشترك بين هذه التجارب هو أن انتشار السلاح خارج المؤسسات النظامية يفتح أبواباً واسعة للفوضى، ويضعف هيبة الدولة، ويجعل المدنيين أول ضحايا الصراعات.

 

فما العمل، وكيف يمكن مواجهة هذه الظاهرة؟

 

أولاً، لا بد من تعاون عربي ودولي جاد لمواجهة المليشيات المسلحة، وتجفيف مصادر تمويلها وتسليحها، ومنعها من إنشاء كيانات عسكرية موازية للدولة. فالأمن القومي العربي مترابط، وما يهدد استقرار دولة قد تتجاوز آثاره حدودها إلى دول الجوار والمنطقة بأكملها.

 

ثانياً، تقع على عاتق الدول المنتجة والمصدرة للأسلحة مسؤولية كبيرة في إحكام الرقابة على صادراتها، خاصة الصواريخ والطائرات المسيّرة والتقنيات العسكرية المتقدمة، والتحقق من المستخدم النهائي لها، واتخاذ التدابير اللازمة لمنع وصولها إلى الجماعات المسلحة خارج الأطر القانونية.

 

ثالثاً، لا بد من معالجة الجذور الاقتصادية والاجتماعية التي تجعل بعض الشباب فريسة للاستقطاب والتجنيد. فالفقر والبطالة وانعدام الفرص قد تدفع بعضهم إلى الالتحاق بالتشكيلات المسلحة بحثاً عن مصدر للعيش. ولذلك فإن الاستثمار في التعليم والعمل والتنمية، وتعزيز مؤسسات الدولة، يمثل جزءاً أساسياً من أي استراتيجية مستدامة لمكافحة المليشيات.

 

رابعاً، لا يكفي الانتصار العسكري وحده ما لم تتبعه مؤسسات قادرة على فرض القانون، وحماية المواطنين، وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، وإعادة بناء الثقة بين المجتمع ومؤسسات الحكم.

 

إن مواجهة المليشيات ليست دعوة إلى حرب مفتوحة بلا ضوابط، بل هي دعوة إلى استعادة الدولة لاحتكار السلاح المشروع، وحماية المدنيين، وتجفيف منابع العنف، وإغلاق أبواب الفوضى أمام الأجيال القادمة.

 

المليشيات ورمٌ ينهش جسد الدولة، وكلما تأخر التعامل مع أسبابه ومصادر قوته، ازدادت كلفة استئصاله.

 

فهل آن الأوان لأن تتجاوز الدول العربية ردود الفعل المؤقتة إلى استراتيجية مشتركة تحمي سيادتها، وتصون أمن شعوبها، وتمنع تكرار المآسي التي عاشها اليمن والسودان؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى