مقالات الظهيرة

د. عبد الرؤوف قرناص يكتب… الدولار وحكاية صاحب الدار!!

اشتكى رجل إلى عرّاف القرية أن داره ضاقت عليه وعلى عياله، فسأله: هل من وصفة تعيد إليها شيئاً من السعة؟

 

سرح العرّاف قليلاً، ثم قال له: اقتنِ قطاً!

 

عاد الرجل إلى داره حاملاً القط.

 

وبعد يومين رجع غاضباً: الحال كما هو، بل إن القط يحفر الأرض ويزيد الأمر سوءاً!

 

فقال له العرّاف: أضف كلباً!

 

عاد الرجل بالكلب، ولم تمضِ أيام حتى رجع أكثر تعباً: الكلب يخيف العيال، والدار أصبحت أضيق!

 

قال له العرّاف: اقتنِ ديكاً!

 

فعل الرجل، ثم عاد في اليوم التالي وعيونه محمرة من السهر: شجار القط والكلب، وصياح الديك، لم يتركوا للنوم طريقاً إلى جفنيه.

 

عندها ابتسم العرّاف وقال: تخلّص من الكلب.

 

وفي اليوم التالي قال له: تخلّص من القط.

 

ثم قال له: اذبح الديك وأطعم به نفسك وزوجتك وعيالك.

 

عاد الرجل أخيراً وهو يشعر أن داره قد اتسعت!

 

مع أن الدار هي الدار، والجدران هي الجدران!

 

وهذه بالضبط حكاية الدولار عندنا!

 

كان المواطن السوداني يصرخ عندما تجاوز الدولار حاجز الـ6000 جنيه، فإذا به اليوم يُطلب منه أن يهلل لأنه تراجع من أكثر من 9000 إلى نحو 7700!

 

يا سادة… متى أصبح الانتقال من كارثة إلى كارثة أقل منها إنجازاً اقتصادياً؟

 

المشكلة ليست في أن الدولار انخفض من 9000 إلى 7700؛ المشكلة في السؤال الأهم:

 

لماذا وصل أصلاً إلى 9000؟

 

ومن المسؤول عن منع تكرار ذلك؟

 

وما الخطة التي ستجعل الدولار ينخفض بصورة مستدامة، لا بسبب مضاربة عابرة أو تدخل مؤقت، وإنما لأن الاقتصاد السوداني أصبح ينتج ويصدر ويدخل إليه النقد الأجنبي بصورة حقيقية؟

 

لا يمكن أن تدار دولة بهذا الحجم من خلال مطاردة المضاربين وحدهم، أو الاحتفال كل صباح بسعر جديد للدولار، أو تصدّر خبر القبض على تاجر عملة وجدت في حوزته بضعة آلاف من الدولارات!

 

نعم، القانون يجب أن يُطبّق على الجميع.

 

لكن القبض على تاجر عملة ليس سياسة نقدية، ومصادرة الدولار ليست زيادة في الصادرات، وملاحقة المضاربين لا تعالج فجوة الواردات والصادرات.

 

والأخطر من ذلك أن يتحول المواطن إلى متلقٍ يومي للأخبار التي تطلب منه أن يفرح لأن النار أصبحت أقل ارتفاعاً!

 

الشعب السوداني لا يريد عرّافاً اقتصادياً يضيف قطاً وكلباً وديكاً إلى داره ثم يخبره في النهاية أن البيت أصبح أوسع.

 

الشعب يريد خطة.

 

يريد أن يعرف إلى أين يتجه الاقتصاد، وما الذي ستفعله الدولة خلال ثلاثة أشهر، وستة أشهر، وعام، وثلاثة أعوام.

 

يريد أهدافاً واضحة للصادرات، والإنتاج، والذهب، والزراعة، والثروة الحيوانية، والصناعة، والتحويلات، والاستثمار.

 

يريد سياسة نقدية ومالية منسجمة، وسوقاً للعملة لا تتحول كل يوم إلى ساحة للمضاربة والشائعات.

 

ويريد قبل كل ذلك مسؤولية ومحاسبة ومؤشرات أداء.

 

إذا كانت الخطة تقول إن الدولار سيصل إلى رقم معين خلال ستة أشهر، فليكن هناك من يُسأل عن ذلك.

 

وإذا كانت الصادرات مستهدفة بمبلغ محدد، فلنعرف الرقم ونقيسه.

 

وإذا كان هناك عجز في النقد الأجنبي، فليُعلن حجمه ومصادر تمويله وخطة التعامل معه.

 

الاقتصاد لا يحتمل الإنشاء السياسي ولا المسكنات الإعلامية.

 

وإذا كانت الدولة تملك خطة، فلتضعها أمام الشعب.

 

وإذا لم تكن هناك خطة، فهذه هي المشكلة التي يجب أن نتحدث عنها بصراحة.

 

فالمرحلة القادمة لا تحتاج إلى إدارة يوم بيوم، ولا إلى انتصارات إعلامية صغيرة، ولا إلى انتظار أن يتراجع الدولار من تلقاء نفسه.

 

نحتاج إلى خطة إنقاذ اقتصادي حقيقية، يقودها مجلس اقتصادي قوي، وتشارك فيها كل الوزارات والولايات والقطاع الخاص، وتُراجع أرقامها شهرياً، وتُصحح مساراتها بلا مجاملة.

 

فالاقتصاد السوداني أكبر من أن يُدار برد الفعل.

 

وأوجاع السودانيين أكبر من أن تُغطى بعنوان: الدولار هبط!

 

نعم، نريد أن يهبط الدولار.

 

لكننا نريده أن يهبط لأن الجنيه أصبح أقوى، والإنتاج أصبح أكبر، والصادرات أصبحت أكثر، والواردات أصبحت أكثر انضباطاً، والثقة عادت إلى الاقتصاد.

 

أما أن نقيس نجاحنا دائماً بمقدار ابتعادنا عن أسوأ رقم وصلنا إليه، فهذه ليست سياسة اقتصادية.

 

هذه حكاية صاحب الدار والقط والكلب والديك… والدار ما زالت هي الدار!

 

نسأل الله العافية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى