ياسر أبو ريدة يكتب… الرهد بين عطش الإنسان وموت الزرع.. من يدير أزمة المياه قبل وقوع الكارثة؟

ليس كل خطاب رسمي مجرد ورقة تحمل توقيع مسؤول، فبعض الخطابات تمثل جرس إنذار مبكراً، ورسالة تستوجب التوقف عندها، وقراءة ما تحمله من تحذيرات قبل أن تتحول إلى واقع مؤلم يدفع المواطن ثمنه وحده.
فالخطاب الصادر عن إدارة عمليات الري بالرهد بتاريخ 5 نوفمبر 2026، بشأن انقطاع التيار الكهربائي عن محطة طلمبات مينا منذ مساء الثلاثاء 3 نوفمبر، لم يكن مجرد إخطار فني بتوقف الطلمبات، بل حمل تحذيراً واضحاً بضرورة المحافظة على مناسيب المياه الموجودة بالقنوات، باعتبارها مصدراً أساسياً لمياه شرب الإنسان والحيوان، مع الاستعانة بالأجهزة الرسمية والأمنية لحمايتها إلى حين عودة التيار الكهربائي.
وهنا تبرز أسئلة لا تحتمل التأجيل: هل تدرك الجهات المختصة حجم المسؤولية المترتبة على هذا التحذير؟ وهل توجد خطة طوارئ واضحة للتعامل مع استمرار انقطاع الكهرباء؟ ومن يتولى مراقبة القنوات ومناسيب المياه؟ ومن يضمن عدم استنزاف الكميات المتبقية أو نشوب صراعات حول استخدامها بين الاحتياجات المختلفة؟
الرهد ليس مجرد مشروع زراعي، ولا أرقاماً في تقارير الري والإنتاج، بل قرى ومناطق مأهولة بالسكان، وأسر تعتمد على هذه المياه في حياتها اليومية، ومزارعون ينتظرون من الموسم الزراعي ما يسند معيشتهم ويحفظ استقرارهم. ولذلك لا يمكن التعامل مع أزمة المياه باعتبارها مشكلة فنية تخص إدارة الطلمبات وحدها، فهي قضية مجتمعية ومعيشية تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة.
نحن نتفهم ضرورة المحافظة على المياه المتبقية داخل القنوات، ونتفهم كذلك التوجيهات المتعلقة بإيقاف الري ورفع المضخات إذا كانت هذه الإجراءات ضرورية لتأمين مياه الشرب. لكننا في المقابل لا نستطيع تجاهل أن وراء كل فدان محصولاً ينتظر الماء، ووراء كل مزارع أسرة والتزامات وديون وتكاليف إنتاج. فالمزارع الذي يواجه خطر فقدان محصوله ليس بعيداً عن دائرة المعاناة، ولا يجوز أن يتحمل وحده فاتورة أزمة لم يكن سبباً فيها.
المطلوب اليوم ليس تبادل الخطابات أو الاكتفاء بإعلان حالة الطوارئ، وإنما تحرك ميداني عاجل من إدارة عمليات الري وهيئة الرهد والسلطات التنفيذية بمحليتي أم القرى والفاو، بالتنسيق مع الجهات المختصة، لوضع ترتيبات واضحة لحماية المياه ومراقبة المناسيب ومنع التعديات، وتحديد الأولويات بصورة عادلة وشفافة، إلى جانب البحث الجاد عن حلول عاجلة لإعادة تشغيل محطة مينا ومعالجة مشكلة الكهرباء.
كما أن وقف الري لا ينبغي أن يتحول إلى قرار إداري بلا متابعة، أو إلى إجراءات انتقائية تُطبق على صغار المزارعين وتتجاوزها المضخات القادرة على فرض وجودها. فالعدالة في تطبيق القرارات لا تقل أهمية عن القرارات نفسها، وأي إجراء لا يُطبق على الجميع دون استثناء يفقد مشروعيته في نظر المتضررين.
والأخطر من ذلك أن استمرار الأزمة دون معالجة قد يضع المواطنين أمام خيارات قاسية، تبدأ بالبحث عن مياه الشرب، وقد تنتهي باضطرار بعض الأسر إلى مغادرة منازلها وقراها بحثاً عن مقومات الحياة. وعندما يصبح الماء سبباً في هجرة الإنسان من أرضه، فإننا لا نكون أمام أزمة ري عادية، بل أمام خطر يهدد الاستقرار الاجتماعي ويستوجب تدخلاً عاجلاً قبل فوات الأوان.
نقولها بوضوح: لا نريد أن ننتظر حتى تجف القنوات، أو تتضرر المحاصيل، أو تضطر الأسر إلى مغادرة قراها، ثم تبدأ الجهات المختصة في البحث عن الحلول وتبادل المسؤوليات. فالوقاية اليوم أقل كلفة من مواجهة كارثة الغد، والتحرك المبكر مسؤولية لا تحتمل التأجيل.
وهنا لا بد أن نتذكر الغاية الكبرى التي من أجلها قام مشروع الرهد. فهو لم يُنشأ لتكون قنواته مجرد مسارات للمياه، ولم يقم ليكون مشروعاً زراعياً تحكمه حسابات الإنتاج وحدها، بل جاء في جوهره من أجل تنمية الإنسان، وتحسين ظروف حياته، وتوفير أسباب الاستقرار والعيش الكريم. فالزراعة وسيلة من وسائل التنمية، والإنسان هو غايتها وهدفها الأول.
لذلك فإن أي أزمة تهدد مياه الشرب أو تدفع المواطنين إلى مغادرة قراهم تمثل مساساً بالغاية التي قام من أجلها هذا المشروع. فالأرض بلا إنسان تفقد معنى تنميتها، والإنتاج الذي لا ينعكس خيراً واستقراراً على حياة الناس يفقد أهم أهدافه.
إن مياه القنوات في هذه اللحظة أمانة ومسؤولية، وحمايتها واجب على الجميع، لكن حماية الإنسان يجب أن تظل الأولوية التي لا تعلو عليها أولوية. وعلى الجهات المختصة أن تدرك أن المواطن لا ينتظر تبريراً لانقطاع الكهرباء، ولا بياناً يشرح حجم المشكلة، وإنما ينتظر ماءً يصل إلى بيته، وإجراءً يحمي محصوله، وقراراً يحفظ استقرار قريته، وإدارة تتحمل مسؤوليتها في الوقت المناسب.



