مقالات الظهيرة

(عشراقة) مزمل صديق يكتب… الظلام المستمر في الجزيرة: إنسانٌ يدفع الثمن مقدماً.. ومسؤولين يتوارون خلف الأعذار!

* ​ليست الكهرباء في ولاية الجزيرة مجرد خدمة عامة تخضع لمتطلبات التشغيل أو تقلبات الشبكة القومية فحسب، بل تحولت إلى “أزمة وجودية” تختبر صبر المواطن وتهدد استقرار ما تبقى من مقومات الحياة اليومية. أن يصل الحال بالتيار الكهربائي في بعض الأحياء والقرى إلى أقل من ساعة في اليوم – هذا إن جاء – فهذا ليس مجرد عطل تقني طارئ، بل هو استخفاف سافر بحق أصيل من حقوق الإنسان، وتكريس لواقع قاسي يعاقب مواطن الجزيرة في ابسط أبجديات العيش الكريم.

* ​الدفع مقدماً.. والظلام بالمقابل! و​لعل المفارقة الأكثر إيلاماً واستفزازاً لكل ذي عقل وضمير، هي تلك العلاقة المقلوبة بين المواطن والشركة السودانية لتوزيع الكهرباء. فالمواطن في الجزيرة لا يتلقى الخدمة ديناً أو منحة، بل هو مبادر دائماً بالدفع “مقدماً” عبر نظام العدادات الذكية والتحصيل المسبق، محرماً نفسه من لقمة عيش أطفاله لتوفير قيمة طاقة يعلم مسبقاً أنه لن يحصل عليها. و​حين يدفع المواطن ثمن السلعة مقدماً، فإنه يشتري عقداً ضمنياً بالتزام الطرف الآخر بتوفيرها كاملةً غير منقوصة. أما أن يُطالب بالدفع الثقيل ليقابل بالظلام الدامس، فهذا يمثل شكلاً من أشكال الجباية غير العادلة واستغلال الحاجة، وهو وضع معوج ما كان له أن يستمر لولا حالة الصمت المريب والغياب التام لأبسط معايير المسؤولية المجتمعية والأخلاقية من الجهات القائمة على أمر التوزيع.

* كما أن ​جحيم الأجهزة التالفة والخسائر المضاعفة​ يفوق حد الوصف حيث لا تقتصر أضرار الانقطاعات المتكررة والبرق المفاجئ لتيار الكهرباء على العيش في العتمة وتعطيل مصالح الناس وحركة الأسواق فحسب، بل تمتد لتخلّف دماراً ماديأ هائلاً داخل البيوت السودانية التي باتت عاجزة عن تحمل الأعباء.​إن التذبذب العنيف في التيار وانقطاعه وعودته المفاجئة تحوله إلى “مصيدة” حقيقية تحصد ما تبقى من الأجهزة الكهربائية (ثلاجات، مكيفات، شاشات، كمبيوترات وغيرها). وفي ظل ظروف اقتصادية بالغة التعقيد، يفاجأ المواطن بأن أجهزته التي اشتراها بعرق جبينه قد تحولت إلى خردة تالفة بسبب عدم استقرار التيار، ودون أن يجد جهة واحدة تتحمل التعويض أو تملك الشجاعة للاعتراف بالخطأ.

* ولسان حال المواطن يتسأل ​أين حكومة الجزيرة؟ ولماذا يصمت الإنسان؟ ​فالسؤال الذي يطرق كل حائط في مدن وقرى الجزيرة ويزلزل الضمائر: أين حكومة ولاية الجزيرة مما يحدث؟ وهل أصبحت السلطات المحلية وولاة الأمور في معزل عما يكتوي به المواطن اليوم؟ أليس من المفترض أن تكون حكومة الولاية هي المدافع الأول عن حقوق إنسان الجزيرة في مواجهة أي تقصير أو استهتار من الشركات الخدمية؟ إن الوقوف موقف المتفرج، والاكتفاء ببيانات التبرير الواهية أو الصمت المطبق، يضع علامات استفهام كبرى حول مدى شعور المسؤولين بمعاناة الشارع وحجم المسؤولية الملقاة على عواتقهم.

* ​أما آن لإنسان الجزيرة أن يكسر حاجز الصمت؟ إن الصمت الطويل أمام هذه الانتهاكات للحقوق الخدمية لا يُقرأ على أنه رضا، بل قد يُفسر خطأً على أنه ضعف. إن المطالبة بالحقوق ليست منةً بل هي فرض لازم، والوقوف في وجه الإهمال وسوء الإدارة هو واجب وطني وأخلاقي.​فالى متى يستمر هذا الوضع المزرى؟. ​لقد سئم مواطن الجزيرة الوعود العرقوبية والمسكنات المؤقتة. إن إنسان الجزيرة الذي قدم الكثير للبلاد، والذي يتحمل أعباء الوعورة الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، يستحق احتراماً يليق بكرامته، وخدمات أساسية تُصان بها حياته اليومية.و​لا يمكن قبول استمرار هذا العبث تحت أي ذريعة كانت. وعلى الشركة السودانية لتوزيع الكهرباء أن تعيد حساباتها فوراً، وأن تضع حداً لهذه القطوعات العشوائية، أو لتعلن بوضوح عجزها حتى يتدخل أصحاب القرار بحلول جذرية لا تقبل التسويف. لجهة ​إن الكهرباء ليس رفاهية يا سادة.. إنه نبض الحياة، وإنسان الجزيرة لن يظل في الظلام إلى الأبد… وبالله التوفيق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى