القراءة الثالثة حول القرار الأمريكي… سودان ما بعد القرار: من ساحة حرب إلى بورصة موارد كبرى

د. محمد عوض محمد متولي
*المحلل والأكاديمي والخبير الاقتصادي المشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات*
____________
*القراءة الثالثة حول القرار الأمريكي حول السلام فى السودان*
**سودان ما بعد القرار: من ساحة حرب إلى بورصة موارد كبرى*
إن القراءة الثالثة الاقتصادية الاستراتيجية تقول إن مشروع القرار الأمريكي ليس وثيقة سلام، بل هو “نشرة اكتتاب دولية في أصول السودان الاستراتيجية”. فالسودان في عين الاستراتيجية الأمريكية 2026-2035م ليس دولة فاشلة يجب إنقاذها، بل “أصل استثماري عالمي مضطرب” يجب تأميم مخاطرته لصالح الرأسمال الدولي. موقع السودان يحكم خمس دوائر اقتصادية متداخلة، والقرار مصمم للسيطرة عليها.
الدائرة الأولى هي دائرة الذهب والفلزات النادرة. السودان يملك ثالث احتياطي ذهب في أفريقيا بعد جنوب أفريقيا وغانا، بواقع 1550 طناً مؤكداً، إضافة إلى احتياطيات غير مستكشفة من اليورانيوم والكروم والمنغنيز في جبال النوبة والبحر الأحمر.
بند “تفكيك اقتصادات الحرب” في القرار يستهدف فعلياً احتكار الدولة للذهب، لكنه يفتح الباب لـ “شركاء الإعمار الدوليين” للفوز بعقود الامتياز طويلة الأجل تحت غطاء “الشفافية”. الأخطر أن الملحق الاقتصادي السري للقرار يربط بين رفع العقوبات وبين “تحرير سوق التعدين” وفق معايير البنك الدولي، أي خصخصة القطاع لصالح شركات مدرجة في بورصة نيويورك وتورنتو. بهذا يتحول الذهب السوداني من تمويل للحرب المحلية إلى ضمانة لديون الإعمار الدولية. والقرار يدرك أن من يملك الذهب يملك قرار الحرب والسلام، لذلك أول بنوده التنفيذية هو “حصر وتأمين مناطق الإنتاج”.
الدائرة الثانية هي دائرة الأمن الغذائي العالمي. السودان يملك 70 مليون فدان صالحة للزراعة المطرية، و 6 ملايين فدان للري الدائم، مع 115 مليار متر مكعب من مياه النيل والمياه الجوفية المتجددة. في عالم يواجه أزمة غذاء بسبب حرب أوكرانيا وتغير المناخ، أصبح السودان “سلة الغذاء البديلة” التي تتصارع عليها الصين والخليج وأوروبا. القرار الأمريكي ببند “أقطاب النمو الستة” ليس مشروعاً تنموياً، بل هو “مخطط تقسيم زراعي” يفصل الأراضي عالية الخصوبة في القضارف وسنار والنيل الأزرق عن الدولة المركزية ويربطها مباشرة بسلاسل الإمداد العالمية عبر موانئ تدار بشراكة دولية. الهدف هو تحويل السودان إلى “مزرعة عالمية” تنتج القمح والعلف واللحوم للتصدير، بينما يبقى الشعب السوداني مستورداً للغذاء المصنع. لذلك اشترط القرار “تحرير تجارة الأراضي” و”ضمان حقوق المستثمر الأجنبي لمدة 99 عاماً”. هذه ليست إعماراً، بل إعادة هندسة للسيادة الغذائية.
الدائرة الثالثة هي دائرة الممرات والطاقة. السودان يطل على 875 كيلومتراً على البحر الأحمر، ويتحكم في الممر البديل لقناة السويس عبر ميناء بورتسودان وخط الأنابيب الناقل لنفط جنوب السودان وتشاد. كما أنه ممر “مبادرة الحزام والطريق” الصينية ومعبر “الطريق الهندي الأوروبي” الأمريكي. القرار ببند “تأمين الملاحة وضمان حرية الحركة” يؤسس عملياً لمنطقة لوجستية دولية في البحر الأحمر تدار باتفاقية أمنية ملحقة، تمنح القوات الدولية حق الانتشار لحماية الممرات. والأخطر أن القرار يربط بين إعمار السودان وبين ربط شبكة الكهرباء السودانية بشبكة الربط الكهربائي الإقليمي التي تسيطر عليها إسرائيل والإمارات. من يملك الميناء وخط الأنابيب وخط الكهرباء، يملك قرار السودان الاقتصادي لخمسين عاماً.
الدائرة الرابعة هي دائرة المياه و”الحرب الصامتة”. السودان يملك 80% من حوض النيل الأزرق، ويتحكم في 64% من إيراد نهر النيل. مشروع القرار يتجنب ذكر المياه عمداً، لكنه يمررها عبر بند “الإدارة المستدامة للموارد”. الهدف الاستراتيجي الأمريكي هو فرض “الإدارة الدولية التشاركية” للنيل الأزرق بحجة منع الحروب، وهذا يعني تفكيك سيادة السودان المائية لصالح اتفاقية جديدة تضمن حصة مصر وتفتح الباب لإسرائيل عبر تحلية المياه وتقنيات الري. لذلك فإن أول مشروع سيموله “صندوق الإعمار” هو “هيئة تنمية النيل الأزرق” بشراكة البنك الدولي. المياه هي النفط القادم، والقرار يريد خصخصة قرارها.
الدائرة الخامسة هي دائرة “الدين السيادي كأداة حكم”. السودان مدين بـ 60 مليار دولار، والقرار يعرض “إسقاط الديون مقابل الإصلاحات”. هذه ليست منحة، بل “مبادلة دين بأصول”. فمقابل كل مليار دولار يُشطب، سيحصل الدائنون على امتياز في الذهب أو عقد أرض زراعية أو حق إدارة ميناء. بهذا يتحول الدين من عبء مالي إلى أداة لشراء الدولة قطعة قطعة. إن “صندوق إعادة الإعمار” بقيمة 15 مليار دولار ليس مساعدة، بل رأس مال تأسيسي لـ “شركة السودان القابضة” التي سيديرها الأجانب وتملك فيها الحكومة أسهم أقلية.
أمام هذه القراءة، فإن الاستراتيجية الاقتصادية المضادة يجب أن تقوم على “نظرية الدفاع بالهجوم الاقتصادي”. أولاً: إعلان “العقيدة الاقتصادية السيادية” فوراً وتتضمن خمسة محرمات: لا خصخصة للموانئ، لا بيع للأراضي الزراعية السيادية، لا امتياز تعدين يتجاوز 30 عاماً، لا إدارة أجنبية للمياه، لا صندوق إعمار خارج سلطة البنك المركزي. ثانياً: إطلاق “سندات السيادة المنتجة” بقيمة 5 مليارات دولار بضمان 20 طن ذهب، وتطرح للمغتربين والصناديق السيادية الصديقة. من يملك تمويله يملك شروطه. ثالثاً: تأسيس “الشركة الوطنية القابضة للموارد” بمرسوم سيادي، تدمج فيها كل شركات التعدين والزراعة الحكومية، وتطرح 30% منها في بورصة الخرطوم للمواطنين فقط. بهذا نؤمم القطاع قبل أن يؤممه الأجانب. رابعاً: تبني “دبلوماسية التكتلات الاقتصادية”. فبدلاً من التفاوض مع أمريكا منفردين، يشكل السودان “تكتل دول الممرات” مع إريتريا وجيبوتي والصومال، و”تكتل دول الحوض” مع إثيوبيا وجنوب السودان، ويفاوض ككتلة. خامساً: تحويل الموقع الجغرافي من لعنة إلى ورقة مساومة. السودان يعلن أنه لن يوقع على أي اتفاقية أمنية في البحر الأحمر إلا إذا تضمنت “منطقة صناعية حرة سودانية” تديرها الخرطوم وتُعفى من الجمارك الأمريكية والأوروبية لمدة 25 عاماً. نؤجر الموقع، ولا نبيعه.
إن الخلاصة الاقتصادية الاستراتيجية تقول: القرار الأمريكي هو “عرض استحواذ عدائي” على شركة اسمها جمهورية السودان. ومجلس الإدارة الحالي أمامه خياران: إما أن يقبل العرض ويتحول إلى موظفين برواتب في شركتهم السابقة، أو أن يطلق “خطة دفاع الحصة الذهبية” التي تبقي السيطرة في يد المساهم الوطني.
فالسلام الحقيقي لا يُستورد ببندقية دولية، بل يُصنع بمصنع وطني. والإعمار الحقيقي لا يبدأ ببنك دولي، بل يبدأ ببنك وطني.
والسيادة الحقيقية لا تُكتب في نيويورك، بل تُحفر في منجم ذهب سوداني، وتُزرع في حقل قمح سوداني، وتُشحن من ميناء سوداني بقرار سوداني. فالموقع الاستراتيجي الذي يجعل العالم يتصارع علينا، يجب أن يجعلنا نحن من نُسعّر العالم.


