إغلاق الدائرة: قراءة استشرافية في هندسة انهيار البنية القتالية لمليشيا الدعم السريع بغرب السودان… من إدارة الزمن إلى إدارة الانهيار.. كيف تُفرض معادلة الحسم بالعقل الاستراتيجي لا بالصدام المباشر؟

بقلم/ الدكتور محمد عوض محمد متولي:
المحلل والأكاديمي والخبير الاقتصادي المشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات
قبل أسابيع معدودة خلت، أشرت في ورقة تحليلية استشرافية إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد ذروة المواجهة وبداية مرحلة الحسم الاستراتيجي، وستحمل في طياتها معارك فاصلة وبشريات ميدانية كبرى.
واليوم، تتأكد صحة ذلك الاستشراف ميدانياً وعملياتياً، فقد تمكنت القوات المسلحة السودانية من فرض واقع استراتيجي جديد في ولاية شمال كردفان، حيث نجحت في تطهير ما يزيد على خمس وتسعين بالمائة من المساحة الجغرافية للولاية، وطرد عناصر مليشيا الدعم السريع المتمردة والمرتزقة الأجانب من كافة المحاور الاستراتيجية التي كانت تشكل تهديداً مباشراً لمدينة الأبيض عاصمة الولاية.
لكن الأهم من النتيجة الرقمية البحتة هو آلية الوصول إليها والمنطق الإداري والعسكري الذي قاد إليها؛ فالسؤال المحوري في العلوم العسكرية والأمنية لا يقتصر البتة على ماذا حدث، بل يتعداه إلى كيف حدث، وبأي فلسفة إدارية للمعركة تم ذلك، وما هي التداعيات الاستشرافية المباشرة على مسرح العمليات الأوسع في السودان.
إن فهم الإجابة العميقة يستلزم بالضرورة العودة إلى قاعدة راسخة في فنون الحرب مفادها أن لكل معركة مستويين متداخلين لا ينفصلان أبداً. المستوى الأول ظاهر للعيان ويتمثل بوضوح في الكر والفر، وفقدان المدن واستعادتها، وتباطؤ وتيرة التقدم ثم انفجاره فجأة، وتحركات بدت متناقضة ظاهرياً لغير المتخصصين.
أما المستوى الثاني فهو باطن وعميق تديره العقول الاستراتيجية الملهمة، ويتمثل في هندسة الميدان وإدارة الزمن ورسم مسارات الخصم بدقة ودفعه رغماً عنه إلى حيث تريد غرفة عمليات القوات المسلحة السودانية. وما فُسر قبل شهور على أنه ارتباك أو تذبذب في الأداء الميداني لم يكن سوى المرحلة التمهيدية البالغة الدقة لعملية عسكرية متكاملة نفذتها القوات المسلحة السودانية بصبر استراتيجي روحي ومادي ووفق رؤية بعيدة المدى قائمة على مبدأ الخداع الاستراتيجي البارع واستدراج العدو إلى منطقة القتل المحتوم.
إن ما جرى فعلياً في المثلث العملياتي الحيوي الممتد عبر بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة لم يكن مجموعة انتصارات متفرقة أو تحريراً تقليدياً للمناطق، بل كان حلقات متصلة في سيناريو استراتيجي واحد بدأت القوات المسلحة السودانية التخطيط والتنفيذ له منذ ما يزيد على أربعة أشهر، وقام حصراً على فكرة مركزية عميقة تتمثل في إدارة حركة الخصم وليس إدارة الأرض والمساحات الجغرافية فحسب.
وقد تم ذلك عبر سلسلة محكمة من الانسحابات التكتيكية المحسوبة التي نفذتها القوات المسلحة السودانية تاركةً فراغات جغرافية مقصودة، مع بث إشارات إيحائية ذكية توحي بالضعف وغياب المبادرة. غير أن الغاية الاستراتيجية الكبرى من وراء ذلك لم تكن أبداً التخلي عن الأرض، بل دفع عناصر مليشيا الدعم السريع المتمردة إلى عمق جغرافي مكشوف بعيد كل البعد عن خطوط الإسناد المستقرة، وداخل بيئة اجتماعية طاردة وغير حاضنة تماماً، وتحت سقف مراقبة جوية واستخبارية مفتوح ودائم تفرضه باقتدار القوات المسلحة السودانية. وبذلك تم رسم مسار إجباري هندسي للخصم لا يملك الخروج منه بأي حال إلا بالاستسلام أو بالانهيار الذاتي التام.
ولذلك كله، فإن السؤال الملِح الذي طرحه الكثيرون عن سبب ترك بعض المناطق مؤقتاً لمليشيا الدعم السريع ثم ضربها لاحقاً بقوة حاسمة تجيب عنه بدقة بالغة الوقائع الميدانية الآن؛ لأن الهدف الاستراتيجي لـ القوات المسلحة السودانية لم يكن التمسك بكل شبر من الأرض في كل لحظة زمنية، بل التحكم المطلق في إحداثيات العدو فوق تلك الأرض وتوجيهه باحترافية بالغة إلى منطقة قتل لوجستي لا يملك فيها أي خيارات حقيقية للتراجع أو إعادة التموضع أو بناء خطوط دفاع متقدمة صلبة. وعند
اكتمال عناصر العزل والعطب اللوجستي التام، شرعت القوات المسلحة السودانية في التنفيذ الفعلي الذي تمثل في استهداف ممنهج ودقيق ومستمر لمراكز القيادة والسيطرة لمليشيا الدعم السريع بهدف شل منظومة اتخاذ القرار وإحداث عطب تام في عصب القيادة، أعقبه قطع شرايين الإمداد البرية القادمة من الشمال الغربي وتضييق الخناق المحكم على المحاور الشرقية، ثم الدخول في مرحلة استنزاف تراكمي قاسي أفقدت الوحدات المهاجمة ما بين خمس وخمسين إلى خمس وستين بالمائة من قدرتها القتالية الفعلية قبل الدخول في الاشتباك الحاسم
والمباشر مع صقور القوات المسلحة السودانية، وكانت النتيجة الحتمية لهذا المسار العلمي انهياراً داخلياً هيكلياً سبق الانهيار الميداني وأدى إلى تفكك بنية القوة من الداخل.
وهنا تحديداً يبرز فارق نوعي جوهرى في الفقه العسكري بين مفهومي الهزيمة العسكرية العابرة والانهيار البنيوي الشامل.
الهزيمة العسكرية باختصار هي خسارة معركة أو جولة قتالية محددة يمكن تداركها لاحقاً بإعادة التنظيم وجلب الإسناد وإعادة بناء الصفوف. أما الانهيار فهو تفكك هيكلي عميق يبدأ من داخل بنية القوة ويمتد جذرياً إلى تماسكها وعقيدتها وولاء أفرادها ونظامها الإداري، ويصبح من المتعذر تماماً احتواؤه أو عكس اتجاهه. وكل الدلائل الميدانية والاستخبارية الدقيقة التي ترصدها القوات المسلحة السودانية تؤكد يقيناً أننا أمام الحالة الثانية دون منازع، فمشاهد استسلام مجموعات قتالية كاملة تابعة لمليشيا الدعم السريع بكامل عتادها وتسليم نفسها طوعاً وانكساراً لـ القوات المسلحة السودانية، وفقدان السيطرة التامة على المناطق الخلفية وخطوط الإسناد الثانوية، وتراجع الروح المعنوية إلى الحضيض وتفاقم الشكاوى والتصدعات القيادية الداخلية، كلها ليست مؤشرات ضغط عسكري عابر، بل هي علامات ساطعة على تفكك هيكلي شامل في بنية القوة المقابلة.
إن جوهر المعركة لم يكن في المواجهات المباشرة بقدر ما كان في معركة أخطر وأعمق دارت بصمت خلف خطوط النار، وهي معركة الإمداد واللوجستيات التي حسمتها باقتدار تام القوات المسلحة السودانية لصالحها وفق معادلات علم الإدارة العسكرية، فالقاعدة الراسخة في أدبيات الحروب تقول إن المقاتل الذي يفقد أربعين بالمائة من إمداده يفقد سبعين بالمائة من فاعليته القتالية، وهذا ما تجسد حرفياً، فمع ضرب المسارات الحيوية وتحول القوة المهاجمة لمليشيا الدعم السريع إلى قوة بلا رئة ولا غطاء، انقلبت المعادلة تماماً ولم تعد الغلبة بعدد
المقاتلين أو بكثرة الآليات المنهوبة، بل بقدرة كل طرف على الاستمرار، فالقوة التي تفقد إمدادها تتحول تلقائياً من قوة هجوم ذات زخم إلى قوة دفاع متآكل ثم إلى قوة بقاء يائسة ثم إلى قوة تستسلم صاغرة أمام بأس القوات المسلحة السودانية.
ولقد نجحت خطة القوات المسلحة السودانية بامتياز وحققت أهدافها الاستراتيجية لأن أحد الطرفين كان يدير المعركة برد الفعل الآني وبلا أفق استراتيجي واضح ويتحرك وفق إملاءات اللحظة العابثه، بينما القوات المسلحة السودانية كانت تديرها برؤية علمية متكاملة تقوم على أربعة مرتكزات استراتيجية صلبة لا تلين، أولها الصبر الاستراتيجي الطويل الذي يرفض تماماً حرق المراحل والانجرار إلى معارك جانبية
هامشية لا تخدم الهدف الكلي المنشود. وثانيها القراءة العميقة والدقيقة لخريطة مسرح العمليات ببعديها الجغرافي والبشري وتحويل التضاريس والحاضنة الاجتماعية إلى عنصر قوة وطرد لفلول مليشيا الدعم السريع. وثالثها التكامل العملياتي المحكم والذكي بين الاستخبارات وسلاح الطيران والقوات البرية في القوات المسلحة السودانية بما يحقق مضاعفة القوة الكلية، ويقلل إلى أدنى حد ممكن كلفة المواجهة، ويزيد بدرجات قياسية دقة الإصابة وتدمير الأهداف.
ورابعها الإدارة الصارمة لزمن المعركة وتحويله باحتراف إلى أداة استنزاف قاسية ضد الخصم وإجباره قهراً على القتال في التوقيت والمكان والمساحة التي تختارها بدقة غرفة عمليات القوات المسلحة السودانية. وتكتمل هذه الصورة البديعة بفعل تزامن ثلاث طبقات ضغط استراتيجية فرضتها القوات المسلحة السودانية وعملت بتناغم وقت واحد وبتداخل وظيفي كامل، فالطبقة الأولى تمثلت في الخنق اللوجستي الخارجي الذي قطع الشرايين وأفقد مليشيا الدعم السريع أي قدرة حقيقية على الاستمرار، والطبقة الثانية تمثلت في الضغط الميداني المتدرج من الداخل الذي فكك العمود الفقري للتشكيلات القتالية.
والطبقة الثالثة تمثلت في الانهيار النفسي والمعنوي والتنظيمي الماحق داخل الصفوف الذي كسر الإرادة وأدى إلى تفكك التماسك بالكامل، وحين تتزامن هذه الطبقات الثلاث بهذه القوة الكاسحة، لا تكون النتيجة مجرد تقدم عسكري تكتيكي عابر، بل سقوط متسارع أسي لا يمكن بأي حال إيقافه ولا احتواؤه.
إننا نقف اليوم حقاً أمام نقطة تحول استراتيجية واضحة المعالم في طبيعة الصراع المسلح وفي ميزان القوى الميداني الشامل، فقد انتقلت القوات المسلحة السودانية بكل ثبات واقتدار من مرحلة حرب الاستنزاف الطويلة وإدارة الأزمة واحتواء الخطر إلى مرحلة اكتساب المبادرة المطلقة والحسم الكلي وتحديد مسار النهاية المحتومة، ومن مرحلة الدفاع الصلب إلى مرحلة الهجوم الشامل، ومن مرحلة إدارة المعركة إلى مرحلة إغلاقها تدريجياً وإحكام الطوق عليها.
وفي ضوء هذه المعطيات العلمية الرصينة، ومع الأخذ الاعتبار التام بقواعد الحروب طويلة الأمد التي تؤكد استقرائياً أن سقوط مركز إسناد لوجستي رئيسي يؤدي حتماً إلى انهيار متسارع على شكل أحجار الدومينو في الجيوب التابعة له خلال مدى زمني محدد يتراوح ما بين ستين إلى تسعين يوماً، لم يعد الحديث أبداً عن التقدم نحو إقليم دارفور وتطهيره احتمالاً مستقبلياً نظرياً أو خياراً مطروحاً للنقاش، بل أصبح نتيجة منطقية وحتمية وموضوعية للمعطيات الراهنة التي هندستها وصنعتها باقتدار القوات المسلحة السودانية، فالممرات البرية أصبحت مفتوحة، والخنق اللوجستي لمليشيا الدعم السريع مستمر بلا هوادة، والانهيار المعنوي والتنظيمي يتسارع بشكل مطرد، وكل ذلك يصب بجلاء في اتجاه واحد لا رجعة فيه وهو التفكيك المنهجي والناجز للبنية القتالية المتبقية لمليشيا الدعم السريع على يد سواعد أبطال القوات المسلحة السودانية.
وخلاصة القول التي يمكن استخلاصها بوعي وعمق أن ما يجري ميدانياً في غرب السودان ليس تقدماً عسكرياً عادياً يمكن اختزاله في بيان عابر أو تصريح صحفي تقليدي، بل هو إغلاق دائرة استراتيجية محكمة بُنيت بهدوء تام ودقة بالغة وعلمية متقدمة على مدى شهور طويلة بواسطة المؤسسة العسكرية الوطنية المتمثلة في القوات المسلحة السودانية. ومن يقرأ المشهد الراهن بعمق وبمنهج التحليل الاستراتيجي الرصين سيدرك يقيناً أن المعركة لم تعد تدور حول من يسيطر على مدينة بعينها فحسب، بل تحولت إلى الإجابة عن سؤال وجودي أخطر بكثير، وهو من تبقت لديه القدرة أصلاً على الصمود والاستمرار في مواجهة الصلابة الاستراتيجية والضربات الموجعة لـ القوات المسلحة السودانية.
وفي هذه المرحلة المتقدمة والفاصلة من عمر الصراع، لا ينتصر من يقاتل أكثر ولا من يملك عدداً أكبر من المرتزقة والآليات، بل ينتصر يقيناً من يصبر أطول، ومن يخطط بأسلوب أذكى، ومن يتحكم في توقيت الحسم الشامل بشكل أدق وأحكم تماماً كما فعلت ببراعة فائقة القوات المسلحة السودانية. والرسالة الأخيرة الواضحة جلية أن ما فُسر زوراً وبُهتاناً من قبل على أنه تراجع تكتيكي كان في جوهره التمهيد الأعظم، وما يحدث اليوم على الأرض ليس مفاجأة طارئة، بل هو الثمرة الطبيعية والمنطقية لعملية تراكمية دقيقة ومضنية، وحين تصل الحروب إلى هذه النقطة التاريخية الفاصلة، فإن النصر المبين يأتي أولاً بفضل الله ورعايته، ثم بفضل التضحيات الجسام والدماء الزكية لأبطال القوات المسلحة السودانية، ليكون واقعاً مفروضاً ومجيداً على الأرض لا مجرد حبر يُكتب في البيانات الصحفية.
والله غالب على أمره
نصر من الله وفتح قريب.



