مقالات الظهيرة

ياسر محمد محمود البشر يكتب في (شوكة حوت)… الهاتــف المحمــول… الصديق والعدو والجاسوس!!

*فى عصرنا الرقمى المتسارع لم يعد الهاتف المحمول مجرد أداة للتواصل أو وسيلة للترفيه بل تحوّل إلى جزء لا يتجزأ من هويتنا اليومية وامتدادٍ لعقولنا ننام وهو بجوارنا ونستيقظ على رنينه ونأتمنه على أدق أسرارنا وصورنا ولحظاتنا الخاصة لكن هذا الصديق الوفى الذى يرافقنا كظلنا يحمل في طياته وجهًا آخر شديد الخطورة وجه العدو الخفى الذي يترصد حركاتنا وسكناتنا دون كلل أو ملل ليصبح أكبر جهاز تعقب وتجسس عرفه التاريخ البشرى مزروعًا برغبتنا الكاملة فى جيوبنا حيث تطورت عمليات التتبع عبر الهاتف المحمول بشكل مذهل ومخيف خلال العقدين الماضيين فبعد أن كان الأمر مقتصرًا في البداية على تحديد تقريبى للموقع عبر أبراج التغطية اللاسلكية أصبحنا اليوم أمام منظومة تعقب فائقة الدقة تعتمد على شرائح الـGPS المتقدمة وشبكات الواى فاى المحيطة ومستشعرات الحركة الدقيقة داخل الجهاز هذا التطور جعل من المستحيل تقريبًا الهروب من الرادار الرقمي حيث يجرى تسجيل خط سيرك اليومى وثوانى توقفك فى أى مكان بدقة متناهية*.

 

*لا يتوقف الأمر عند حدود المكان بل يمتد ليشمل أدق تفاصيل التواصل البشرى فالهاتف الذكى الذى تحمله يرصد ويخزن سجلات جميع مكالماتك الصادرة والواردة وتوقيتها ومدتها والأخطر من ذلك أن التطبيقات الحديثة والأنظمة الذكية تمتلك القدرة برضا المستخدم أو بدونه عبر ثغرات برمجية على أرشفة وتحليل المحتوى النصى للرسائل والملفات الصوتية ومقاطع الفيديو المتبادلة مما يعنى أن تفاصيل حياتك بالكامل مصنفة ومخزنة فى خوادم

عملاقة تنتظر من يستدعيها وبناءً على هذه المعطيات أصبحت الهواتف المحمولة محل اهتمام كبير بل ومحورى من قبل أجهزة إنفاذ القانون وخبراء الأمن الجنائى والمحققين حول العالم فلم تعد الجريمة الكاملة ممكنة فى زمن يترك فيه الجانى خلفه أثرًا رقميًا لا يُمحى لقد تحول الهاتف من مجرد جماد إلى شاهد إثبات صامت لا يكذب يمتلك القدرة على إعادة رسم مسرح الجريمة وتحديد جدول زمنى دقيق للأحداث لا يمكن دحضه إن الهاتف الذي تحمله فى جيبك اليوم قد يكون غدًا هو بطاقة عبورك نحو الحرية أو حبل المشنقة الذي يلتف حول عنقك فهو يملك القول الفصل في تحديد مصيرك*.

 

*هذه الحقيقة جعلت من الهاتف المحمول سلاحًا ذو حدين فى ساحات القضاء فهو قد يكون دليل إدانة دامغ ينهى آمال المتهم فى الإنكار أو قد يكون دليل براءة قاطع ينجيه من حبل المشنقة أو خلف القضبان فكم من متهم برىء كادت الأدلة الظرفية أن تطبق عليه فجاءت بيانات الهاتف والاتصال بالشبكة لتثبت

وجوده فى مكان آخر تمامًا وقت وقوع الجريمة لتنصفه التكنولوجيا في اللحظات الأخيرة وعلى الجانب الآخر كم من قضية معقدة وشائكة شغلت الرأى العام لأسابيع وأشهر وبدت وكأنها لغز مستحيل الحل كانت نقطة الانفراجة والحل الحاسم فيها مجرد رقم هاتف أو إشارة التقطها برج تغطية قريب إن تتبع حركة هذا الرقم أو كشف قائمة اتصالاته الصادرة والواردة في وقت محدد كان كفيلًا بفك أعقد الشفرات وإسقاط أقنعة المجرمين الأكثر دهاءً

وتقديمهم للعدالة على طبق من ذهب رقمى إن هذا التحول الخطير يضعنا أمام معضلة أخلاقية وأمنية كبرى تتعلق بخصوصية الإنسان ففى مقابل الأمن والعدالة التى تسهم التكنولوجيا فى تحقيقها يدفع البشر ثمنًا باهظًا من حريتهم الشخصية وخصوصيتهم المستباحة لقد تنازلنا طواعية عن سرية معلوماتنا مقابل رفاهية الاتصال وأصبحنا نعيش فى سجن زجاجي كبير يراقبنا فيه هاتفنا الذكى ويمد الجهات المعنية بتقرير وافٍ عن كل تفاصيل حياتنا*.

 

نــــــــــــــــص شــــــــــــوكة

 

*يبقى الهاتف المحمول هو الصديق اللدود الذى لا يمكننا الاستغناء عنه والعدو الحذر الذي يجب أن نخشى جانبه إنه الشاهد الرقمى الأقوى فى العصر الحديث الذي يثبت أن التكنولوجيا بقدر ما هى أداة لتسهيل الحياة وبسط العدالة وحل الألغاز الجنائية هى أيضًا قيد غير مرئى يطوق معاصمنا وعلينا دائمًا أن نتذكر ونحن ننظر إلى شاشاتنا البراقة أن كل نقوم به وكل مكالمة وكل خطوة نخطوها يتم تسجيلها في كتاب رقمة لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها*

 

ربـــــــــــــــع شــــــــــــوكة

 

*هاتفك هو صديقك إن أحسنت إستخدامه وألد أعدائك إن أسأت إستخدامه فأحذره*

 

 

yassir. mahmoud71@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى