مقالات الظهيرة

(همس الأربعاء) خالد أمين زكي يكتب… مَا بَعْدَ غُبَارِ التَّحْرِير!!

لم تكن خطوات القائد العام للقوات المسلحة وهي تطأُ ثرى «أم سيالة»، وما سبقها أو تلاها من الحواضِر التي استُرِدت من بين فكي الحريق، مجرد تفقدٍ روتيني لمواقع التماس.

أو استعراضٍ بروتوكولي في جغرافيةٍ متفجرة؛ بل كانت إعلاناً صارماً عن تحول الإستراتيجية العسكرية من منطق الدفاع والتحصين إلى فلسفة التمدد والفرض الإجباري للواقع الجديد. إن ظهور رأس المؤسسة العسكرية وسط الدخان المتصاعد وأزيز الرصاص، يُعيد صياغة الرمزية السيادية في أصفى صورها، إذ يلتحم القرار السياسي بالبندقية على خط النار الأول، فيُبدد أوهام الفراغ الذي راهنت عليه الأجندات الإقليمية، ويؤكد أن شرعية الدولة لا تُنسج في أروقة الفنادق ولا تُمنح عبر البيانات، بل تتشكل خيوطها من صمود الجند وثبات الأرض.

إن ما شهدته أم سيالة وأخواتها من مدن وسهول لم يكن مجرد اندفاعةٍ عاطفية للردع، بل كان ثمرة هندسةٍ عسكرية شديدة التعقيد والتكنيك.

أدارتها القوات المسلحة إلى جانب أذرعها الضاربة من القوات المشتركة والمقاومة الشعبية ببراعةٍ يحق للنُخب والخبراء التوقف عندها. فقد ارتكزت العمليات على إستراتيجية قطع الأوردة وشل الحركة، عبر تجريد العدو من قدرته على المبادأة والتمدد السرطاني

ثم تطويق بؤر التمركز بضغطٍ متزامن يمزج بين صرامة العقيدة النظامية ومرونة التكتيكات الخاطفة. هذا التناغم العالي بين الميدانيين والعقل التخطيطي هو الذي حول نقاط الثقل العسكري من مساحاتٍ منفصلة إلى جبهةٍ واحدة تتداعى فيها أحجار الدومينو، لتنقل البلاد من مرحلة امتصاص الصدمة إلى مرحلة الامتلاك الكامل لدفة الميدان.

ولكن، وعلى الرغم من البهجة التي تُحدثها أصوات المدافع وهي تُعلن التحرير، يظل السؤال الإستراتيجي الأكثر الحاحاً وعمقاً يفرض نفسه على منصة العقل الجمعي: ماذا بعد أن تهدأ ثورة البارود وتستقر الأقدام فوق التخوم الـمُحررة؟ إن النصر العسكري، على عظمته، ليس إلا المبتدأ في جملة الوطن، والخبر الحقيقي هو قدرتنا على «هندسة ما بعد الجحيم».

فالتحرير لا يكتمل بمجرد انسحاب المظاهر المسلحة للمعتدين، بل ببدء معركة التمكين المؤسسي، واستعادة شرايين الحياة والخدمات، وبسط سيادة القانون لتفادي أي فراغٍ أمني أو إداري.

كما أن الدماء والتضحيات التي سُكبت في هذه البقاع فرضت واقعاً اجتماعياً جديداً، يُوجب صياغة عقدٍ وطني صلب لا يقبل المجاملة أو التسويف أو التهاون بمقدرات الأمة عبر تاريخها الطويل إبتداءً، و إنتهاءً بمجدها و عزتها التي لا تلين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى