مقالات الظهيرة

ياسر محمد محمود البشر يكتب… جـُــوز (العَـــكّ) رحلة السذاجة والغطرسة!! 

*فى عمق العامية السودانية وثقافتها الممتدة، يحتل طائر (العَكّ) مكانة خاصة وفريدة بين سائر الطيور إنه ذلك الطائر الأسود ذو الساقين الدقيقتين الطويلتين نسبياً والذى يُعد رمزاً أسطورياً فى المأثور الشعبى للهبل والسذاجة لا يتمتع (العَكّ) بذكاء الصقور ولا بحذر الغربان بل يعيش على باب الله غافلاً عن الأخطار التي تدور حوله ويسير في حياته ببساطة متناهية أقرب ما تكون إلى السبهللية والعمى الفكرى إن ما يميز طائر (العَكّ) دون غيره من سائر الكائنات المجنحة هو يسهل اصطياده وسهولة الوقوع في الشراك إذ لا يحتاج الصياد معه إلى كلفة أو دهاء كبيرين يكفى أن يوضع له على الشرك قليل من خبز الكسرة الجاف ليكون ذلك كفيلاً بإنهاء حريته وإسقاطه فى الفخ فوراً إنها تلك المأساة التي تجعل هذا الطائر يتهافت على أدنى مغرٍ دون ادنى تفكير مقتاداً بنهَم عجيب واندفاع خالٍ من أى قدر من الحذر*.

 

*السر فى هذا الخضوع العجيب لقطعة كسرة يكمن فى طبيعة هذا الطائر وتاريخه السلوكى فبطن (العَكّ) عرفت الجوع وقسوته قبل أن تتذوق النعمة وما زال أثر الجوع باقياً في أعماقها ويحركها بشكل استجابى أعمى يُسمى الفرد من هذه الفصيلة (عَكّة) سواء كان ذكراً أم أنثى لتختصر هذه المفردة في الوجدان الشعبى معنى الانقياد السريع خلف الرغبات الدنيا والعجز التام عن قراءة الدوافع الحقيقية وراء الفخاخ المنصوبة لكن القصة لا تتوقف عند حدود الطبيعة ففى الحياة الإنسانية تلتقى بنفس نماذج من البشر ينتمون بامتياز إلى فصيلة (العَكّ) أناس ترى فى تعاملاتهم اليومية وسلوكياتهم ذات الهبل ونفس السذاجة وتلك السبهللية المطلقة التى تجعلهم عاجزين عن إدراك مواضع خطواتهم يتعاطون مع شؤون الحياة ومصيرها بسطحية مفرطة ويتساقطون أمام المغريات والمواقف بلا ادنى بصيرة أو وعى*

 

*على أن هناك فارقاً جوهرياً وحاسماً بين الطائر المسكين وبين (عَكّ) البشر يُرجّح كفة الطائر أخلاقياً وبمراحل. فـ (العَكّ) الطائر يمارس سذاجته بفطرة نقية لا يتجمل ولا يرتدى أقنعة الزيف ولا يضع طلاءً من الادعاء على سقف فشله الذريع هو عكٌّ بصيرته عارية كما هى يبدو للجميع كما هو فى واقع الأمر دون ادعاء لذكاء أو تصنع لمهارة لا يملكها وبالمقابل يأتي (عَكّ) البشر ليمارس نمطاً متدرباً من الغباء الممزوج بالهبل والسذاجة لكنه يغلفه بغرور نرجسى عجيب يعيش هذا النوع من البشر فى وهم كامل فيظن أنه أفضل من مشى على قدمين وأكثر الناس دراية وذكاءً يرتكب الجهل المركب ويندفع نحو الأخطاء المدوية وهو يعتقد بثقة مطلقة أنه يعتلى قمة الصواب والعبقرية التى لم يسبقه إليها أحد*.

 

*ويبقى السر الخفى واللغز المحير فى نفسية (العَكّة) البشرية أنها ترى النور ضلاما والضلام نور تفكير معكوس يقف في الحد الفاصل بين العجب العجاب ومهازل الواقع يتعامى هذا النوع عن الحقيقة المضيئة الساطعة كالشمس ويركض بخطى حثيثة نحو الظلام وهو يحسبه ضياءً مدفوعاً بإنكار عجيب يستعصى على كل إدراك منطقى أو فهم إنسانى وتأمل ظاهرة (العَكّ) فى المجتمع وإسقاطها على واقعنا يكشف لنا حجم المأساة التى تقع عندما يجتمع الجهل مع كبرياء الزيف فالطائر يظل كائناً مسكيناً تحكمه الغريزة وقلة الحيلة بينما يبسط (عكّ) البشر نفوذ سذاجته بثقة عمياء تُورد صاحبها ومن حوله الموارد ولعلها دعوة لإعادة النظر في تعاملاتنا كى لا نقع فى فخاخ الكسرة الجافة ولا نغمض أعيننا عن النور المباشر لنستبدله بالضلام الموهوم*.

 

yassir.mahmoud71@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى