مقالات الظهيرة

(وجه الحقيقة) إبراهيم شقلاوي يكتب… جياد… صناعة الفرص!!

يمثل تدشين أول سيارة كهربائية سودانية الصنع، بواسطة شركة جياد للصناعات الهندسية، حدثًا اقتصاديًا مهمًا، يفتح نافذة على انتقال البلاد من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد إعادة بناء القدرات الإنتاجية، ويحوّل الأزمة إلى فرص، ويوظف موارده البشرية والطبيعية في مسارات تنموية جديدة.

 

وليس المقصود اليوم الاحتفاء بشركة تجارية لمجرد أنها أطلقت منتجًا جديدًا، فـ “وجه الحقيقة” لا ينظر إلى الشركات من زاوية الربح والخسارة الخاصة بها، وإنما من زاوية القيمة التي يمكن أن تضيفها إلى الاقتصاد والمجتمع. وما يجعل تجربة “جياد” جديرة بالتوقف عندها هو توافقها، في هذه اللحظة تحديدًا، مع سؤال ظل حاضرًا في هذه الزاوية: كيف ننتقل من اقتصاد يستهلك ما يستورده إلى اقتصاد يصنع ما يحتاجه؟ لذلك فإن معيار الحكم على التجربة ليس اسم الشركة ولا بريق السيارة، وإنما مقدار ما يمكن أن تضيفه إلى التصنيع المحلي، ونقل التكنولوجيا، وتأهيل الكوادر، وربط البحث العلمي بالإنتاج، وخلق قيمة مضافة سودانية قابلة للاستمرار.

 

لذلك تكتسب تجربة “جياد” أهميتها، لأنها تأتي في لحظة تبحث فيها البلاد عن معنى عملي للتعافي الاقتصادي، لا عبر إعادة إنتاج ما كان قائمًا قبل الحرب فحسب، وإنما عبر استكمال مشروع التصنيع الذي ظل مؤجلًا، وفتح الأبواب لصناعات جديدة تستطيع أن تستجيب لاحتياجات المستقبل.

 

وبحسب الشركة، تمكن العاملون فيها، بعد نحو 45 يومًا من توقف نشاطها مع بداية الحرب، من استعادة كافة العمليات عبر 18 موقعًا في الولايات . وتحمل هذه المعلومة دلالة اقتصادية وسياسية مهمة، بالنظر الي خسائر الحرب، وحجم ما أفقدته المؤسسات من قدرتها الإنتاجية . ومن هنا، فإن استعادة النشاط الصناعي لا تعني عودة العمل وحدها، بل استرداد جزء من قدرة الدولة والمجتمع على الإنتاج والاعتماد على الذات.

 

ومن هذه الزاوية، فإن عبارة “لن نتوقف” التي أطلقها المدير التنفيذي لجياد تؤكد الصمود الاقتصادي. فعبور الحرب يتحقق باستعادة إحياء المصانع وسلاسل الإمداد والثقة بالقدرات. لذلك تصبح عودة جياد استعادةً لفكرة الإنتاج. وحتى التحول إلى المركبات الكهربائية، رغم تحدياته في ظل شح النقد الأجنبي وتراجع البنية التحتية، يمكن أن يكون استجابة اقتصادية منتبهة للأزمة، لأن كلفة الوقود والاستيراد والتشغيل تجعل النقل التقليدي أكثر كلفة، وتفتح بابًا للابتكار والتحول إلى نموذج أكثر كفاءة واستدامة.

 

الأهم أن “جياد” تتحرك نحو منظومة متكاملة للنقل الكهربائي، من التوك توك والركشات والدراجات النارية إلى الجرار، مدعومة بورشة متخصصة وخدمات الشحن والصيانة وقطع الغيار، وبشراكة مع “Wuling” الصينية. وقيمة هذه النقلة لا تكمن في المنتج وحده، بل في توطين المعرفة؛ فاستيراد المركبة يجعل السودان سوقًا لها، أما المشاركة في صناعتها فتجعله شريكًا في التكنولوجيا وقادرًا على إنتاج المعرفة وتراكم الخبرة. وهذا هو الفارق بين استهلاك المستقبل وصناعته.

 

ويمتلك السودان في هذا المجال ميزة نسبية لا ينبغي إهدارها: الشمس والرياح والمساحات الواسعة. وإذا نجح في الربط بين المركبات الكهربائية والطاقة الشمسية، فإن الأمر قد يتجاوز خفض تكلفة النقل إلى إعادة تعريف العلاقة بين الطاقة والنقل. فبدل أن تظل أزمة الوقود مرتبطة بتوفير النقد الأجنبي لاستيراده، يمكن تدريجيًا بناء نموذج يستفيد من موارد متاحة محليًا. وهذا يضع مشروع المركبات الكهربائية تمثل سياسة أوسع للطاقة والنقل والصناعة والبيئة، باعتبارها مشروعًا تجاريًا واعداً.

 

السيارة هي الجزء الأكثر بريقًا، لكن التحدي الحقيقي يبدأ بعد التدشين: البطاريات، والشحن، والصيانة، وقطع الغيار، والكوادر، واستقرار الكهرباء. لذلك لا يُقاس نجاح التجربة بعدد السيارات المنتجة، بل بقدرتها على بناء منظومة متكاملة. وهنا تكتسب الشراكة مع الجامعات ومراكز البحث والتعليم التقني أهمية مضاعفة، خصوصًا مع إعلان الحكومة عن ثورة في التعليم التقني، إذ يمكن تحويل الورش والمصانع إلى معامل تطبيقية، وربط الطلاب بتحديات الصناعة، ليصبح التعليم رافعة للإنتاج.

 

وعلى الحكومة أن تجعل دعم “جياد” سياسة عملية، كما تفعل في أثاث المدارس والكابلات، فتمنح المنتج الوطني أولوية في مشترياتها، وتوسع استخدام مركباتها في مؤسسات الدولة، وتشجع العاملين على اقتنائها بتمويل وأقساط ميسرة. وبالتوازي، عليها أن تفتح أسواق التصدير، خصوصًا في دول الجوار، لتوفير النقد الأجنبي وتوسيع الإنتاج، فدعم “جياد” بمثابة دعم للصناعة الوطنية، والصادر بوابة لنموها واستدامتها.

 

بحسب #وجه_الحقيقة، فإن سيارة “جياد” الكهربائية ليست خاتمة مشروع، بل اختبار لبداية مختلفة . فقيمتها تتجاوز كونها أول سيارة كهربائية سودانية الصنع إلى فتح مسار يربط الصناعة بالطاقة والنقل والبحث العلمي والتمويل. لقد كشفت الحرب هشاشة اقتصاد الاستيراد، لكنها أظهرت أيضًا ما يمكن البناء عليه. لذلك لا ينبغي أن يكون التعافي عودةً إلى ما قبل الحرب، بل انتقالًا إلى اقتصاد أكثر إنتاجًا واستقلالًا. فالمعركة ليست أن نصنع سيارة، بل أن نبني قدرةً تصنع المستقبل، نحول الأزمة إلى فكرة، والموارد إلى إنتاج، والمعرفة إلى قيمة.

دمتم بخير وعافية.

الأثنين 17 أغسطس 2026 م Shglawi55@gmail.com

 

#جياد #الصناعة_الوطنية #التصنيع_المحلي #الاقتصاد_السوداني #إعادة_الإعمار #التعافي_الاقتصادي #السيارات_الكهربائية #الطاقة_المتجددة #توطين_التكنولوجيا #البحث_العلمي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى