محمد أحمد البشرى يكتب… الحوار السوداني والقومية النبيلة!!

إن السودان يمر بمرحلة تاريخية دقيقة تتطلب من جميع أبنائه الارتقاء فوق الخلافات الضيقة والانطلاق نحو أفق وطني أوسع يجمع ولا يفرق، ويبني ولا يهدم. وفي هذا السياق تبرز فكرة القومية النبيلة باعتبارها الإطار الجامع الذي يستند إلى حب الوطن واحترام تنوعه وصون وحدته وتحقيق مصالح شعبه دون إقصاء أو تمييز.
إن الحوار السوداني الذي ننشده ليس حواراً بين القوى السياسية وحدها، ولا تفاوضاً حول اقتسام السلطة والمناصب، بل هو حوار وطني شامل يهدف إلى إعادة بناء الثقة بين السودانيين وصياغة رؤية مشتركة لمستقبل البلاد. فالسودان أكبر من الأحزاب والتنظيمات، وأوسع من المصالح الفئوية والجهوية، وهو وطن يتسع لجميع أبنائه على اختلاف انتماءاتهم وأفكارهم.
والقومية النبيلة لا تعني إلغاء التنوع الثقافي أو العرقي أو الجهوي، وإنما تعني تحويل هذا التنوع إلى مصدر قوة وإثراء للوطن. فالسودانيون تجمعهم روابط التاريخ والمصير المشترك، وتوحدهم تطلعاتهم نحو الأمن والاستقرار والتنمية والعدالة. ومن هنا فإن نجاح أي حوار وطني يرتبط بقدرته على تعزيز الانتماء للسودان أولاً، وتقديم المصلحة الوطنية على ما سواها.
لقد أفرزت سنوات الصراع والاستقطاب كثيراً من الجراح والمرارات، لكن الأمم لا تنهض بالانتقام ولا تستقر بالخصومات الدائمة. ومن ثم فإن الحوار الحقيقي يجب أن يقوم على الاعتراف بالمعاناة التي عاشها المواطنون، واحترام حقوق الضحايا، وتحقيق العدالة وفق القانون، مع العمل في الوقت نفسه على بناء مستقبل يمنع تكرار المآسي ويؤسس لدولة المؤسسات وسيادة القانون.
كما أن القومية النبيلة تقتضي احترام دور القوات المسلحة والقوات النظامية في حماية الوطن والحفاظ على وحدته وسيادته، مع الإيمان بأن بناء الدولة مسؤولية جماعية يشترك فيها الجميع: الدولة والمجتمع والقوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني والشباب والمرأة وأهل الفكر والخبرة.
إن السودان اليوم بحاجة إلى مشروع وطني جامع يفتح أبواب المشاركة أمام كل المخلصين، ويجعل من الحوار وسيلة للتوافق لا ساحة للصراع، ومن الاختلاف مصدر إثراء لا سبباً للانقسام.
فالحوار الذي ينطلق من القومية النبيلة قادر على أن يؤسس لعقد اجتماعي جديد يحقق الاستقرار ويعزز الوحدة الوطنية ويقود البلاد نحو مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً.
ويبقى الأمل معقوداً على وعي السودانيين وإرادتهم في تجاوز الماضي، والالتقاء حول القواسم المشتركة التي تجمعهم، فالأوطان لا تبنى إلا بأبنائها، ولا تحفظ إلا بوحدتهم، ولا تتقدم إلا عندما تكون مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
الأستاذ/ محمد أحمد البشرى
الاثنين 17 أغسطس 2026م



