مقالات الظهيرة

همس الأربعاء: خديعة المئة.. وصيامٌ عن فتنة “الدينار المفقود”

​بقلم: خالد أمين زكي:

​مع تباشير الشهر الفضيل، وفي مستهل هذا “الهمس” الذي يجمعنا، أزجي أطيب التهاني والتبريكات للأخ العزيز “أبو تالا”، مشرف صحيفتنا الغراء “الظهيرة”، وللطاقم المبدع، وللقراء الكرام؛ سائلين الله أن يهلّه علينا بالأمن والإيمان وتمام الرضا.

​بينما نتحسسُ بوقارٍ مَهيب خُطى “رمضان” التي تغسلُ الروح من دَرن الركضِ اليومي، وتُشرق في الآفاق أنوارٌ تفيضُ بالسكينة؛ تطلُّ برأسها “قاعدة الـ 99″؛ تلك الصرّة الماكرة التي ألقاها وزيرٌ ذكيّ أمام ملكٍ حائر، ليُعرّي شقاء الإنسان في ذروة نعيمه. وضعَ الوزيرُ تسعة وتسعين ديناراً في صرّة وكتب عليها “مائة”، فبات الخادم ليلته يطحنُ الصمتَ بحثاً عن “الدينار المفقود”، بدلاً من أن يرقص ببهجة الذهب الذي يملأ كفّيه! إننا اليوم، يا سادتي النخبة ويا أهلي في رصيف الشارع العريض، نرتطمُ بـ “متلازمة الصرّة الناقصة”؛ لقد أدمنّا مطاردة “الغائب” حتى عميت بصائرنا عن “المتاح”، وصرنا نعدُّ أوجاعنا وكأنها المبتدأ والخبر، غافلين عن أن في صرّة حياتنا بقايا من يقين، وشظايا من صمود، وفائضاً من جمالٍ لم تَنل منه أنيابُ العدم.

​هذا “التكنكل” النفسي للشقاء ليس إلا فخ “الكمال الوهمي” الذي يجعل الواحد يكسرُ هيبة التسعة وتسعين، بينما الصحافة الحقيقية، في مقامها العالي، يجب ألا تكتفي برصد العثرات، بل عليها أن تستنهض “الفائض” الساكن في الأرواح. تماماً كما يفعل بنا الحنينُ حين يباغتنا بعبق “الروصيرص”؛ ذلك الدعاش الذي يمزجُ تراب الأرض برحيق المطر، فيخبرنا أن “النكهة” التي تسكننا ليست ثقباً نبكي عليه، بل هي “الدينار الحقيقي” والكنزُ الأصيل الذي لم تسرقه الأزمات ولن يبتلعه الغياب.

​يأتي رمضانُ اليوم ليقلب الطاولة على هذه الخديعة الرقمية، مُعلناً أن “الناقص” في ميزان المادة هو “المكتمل” في معراج الروح؛ فنحن نصومُ عن المحسوس لنمتلئ بالمعنى، ونصومُ عن الضجيج لنستردَّ سكينة الذات. إنه تمرينٌ كونيٌّ على “الاستغناء الفاخر”، وصيحةُ تحررٍ من عبودية “الرقم المئة” المستحيل. فالحياةُ، يا أيها الراكضون خلف السراب، ليست حساباً في دفتر، بل هي “شهقةُ امتنان”، والسيادةُ ليست للصرّة المكتملة، بل للقلب الذي يدركُ أن الـ 99 هي تمامُ التمام إذا مسّها بَردُ الرضا.

​كفّوا عن العدّ المذعور، وتلمّسوا النور في تجاعيد آبائنا، وفي ضحكات صغارنا التي تهزمُ العدم، وفي “ونسة” الجيران التي ما زالت تشدُّ أزر الذاكرة؛ فرمضانُ ليس إمساكاً عن قُوت، بل هو إفطارٌ على حقيقةٍ كبرى: أننا أغنياءٌ بما نملك.. لا بما ننتظر. فلنكسر قيد الـ 99، ولنستقبل الشهر بقلوبٍ يطفحُ منها الرضا، تماماً كامتلاء النيل في ذروة فيضانه، حيث تذوب الأرقامُ الباردة ليبقى وجه الله، ويبقى وجه الوطنِ طاعناً في الخلود

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى