نقطة ضوء) سفيان عبدالغفار ابومحمد يكتب… عمر بن الخطاب… مدرسة القوانين التي لم تُكتب بالحبر

لقد مات عمر… ولكن لم يمت المنهج. مات الجسد الذي كان يمشي في طرقات المدينة ليلاً متفقداً، وبقيت المبادئ التي أسسها حية تُدرّس إلى اليوم.
كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا يحكم من فوق كرسي، بل من أرض الواقع. لم يكن يشرّع القوانين في قاعات مغلقة، بل كان يستنبطها من دمعة يتيم، ومن أنين طفل، ومن عجز شيخ. فكان بذلك أول من وضع لبنات دولة العدل الحديثة قبل أن تُعرف الوزارات والتشريعات.
_أولاً: قانون مصابي الحروب_
روى المؤرخون أنه رأى رجلاً يأكل بشماله، فأمره أن يأكل بيمينه. فقال الرجل: “إنها مشغولة”. ولما سأله عن شغلها قال: “أصيبت يوم مؤتة فعجزت عن الحركة”. فلم يكتف عمر بالاعتذار، بل جلس وبكى، وسأله: من يوضئك؟ ومن يغسل ثيابك؟ ومن يقوم على شأنك؟ ثم أمر له بخادم وراحلة ونفقة.
هكذا لم تكن المسألة مجرد ملاحظة على هيئة الأكل، بل كانت ميلاد “قانون رعاية مصابي الحروب وذوي الاحتياجات الخاصة”. قانون يقوم على سؤال واحد: من المسؤول عن هذا الإنسان الآن؟
_ثانياً: قانون الضمان الاجتماعي_
ومرّ بشيخ يهودي يحمل الحجارة. فلما سأله أجاب: “عليّ دفع الجزية”. فقال له الفاروق كلمة تهز عروش الظلم: “أخذنا منك الجزية شاباً، فواجب علينا أن نكفلك شيخاً”. وأجرى له راتباً من بيت المال.
فأي فقه هذا؟ وأي إنسانية؟ لقد فصل عمر بين العقيدة والحقوق المدنية. فالمواطنة عنده لا تُقاس بالدين، بل بالحاجة. وهكذا تأس “قانون الضمان الاجتماعي” الذي يحمي الضعيف أياً كان.
_ثالثاً: قانون الطفل_
وفي ليلة سمع بكاء طفل. فوجد أمه تفطمه مبكراً لتأخذ المائة درهم التي تصرف بعد الفطام. فلم ينم عمر تلك الليلة. وفي الصباح أصدر أمراً بصرف العطاء للطفل منذ الولادة.
أي قلب هذا الذي يوقظه أنين رضيع؟ وأي دولة تلك التي تجعل ميزانيتها تابعة لحاجة طفل؟ هكذا وُضع “قانون حماية الطفل” قبل قرون من أن تتحدث عنه المنظمات.
_رابعاً: قانون حرية التعبير_
ولما لقي قاتل أخيه زيد وقد أسلم، قال له: “والله لا أحبك”. فأجابه الرجل بهدوء: “وهل يمنعني ذلك حقي؟” قال: “لا”. فقال الأعرابي: “إنما يبكي على الحب النساء”. فمضى عمر ولم يعاقبه.
لقد أرسى بذلك مبدأً عظيماً: في دولة العدل، الحقوق لا تُمنح على أساس المحبة، بل على أساس المواطنة. وحرية التعبير حتى مع الحاكم مصونة ما لم تتجاوز إلى التطاول على الثوابت.
_خامساً: قانون حماية المرأة_
وخطب مرة يحدد المهور، فقامت امرأة من بين الناس وقالت: “أخطأت يا عمر”. فلم يغضب ولم يأمر بحبسها، بل قالها صريحة مدوية: “أخطأ عمر وأصابت امرأة”. وتراجع عن قراره.
هذه العبارة وحدها دستور. دستور يقول: الحاكم بشر يصيب ويخطئ، والمرأة شريك في صناعة الرأي العام.
وكان أبو بكر الصديق قدوة له. فكان يخرج كل فجر لخدمة عجوز عمياء. فلما مات أبو بكر وذهب عمر ليرى السر، وجدها وقال متأثراً: “لقد أتعبت الخلفاء من بعدك يا أبا بكر”.
_السؤال : أين نحن من عمر؟_
إن المشكلة لم تكن يوماً في نقص القوانين، ولكن في نقص “عمر”. لم يتغير الناس، ولم تتغير الحاجة. ما زال هناك مصاب، وشيخ، وطفل، وامرأة مظلومة. ولكن أين من يسأل: من يوضئك؟ ومن يكفلك؟
مات عمر… لكن بقيت نقطة الضوء. نقطة تقول لنا إن الحكم الرشيد يبدأ من الشارع، وأن أعظم التشريعات تولد من سؤال بسيط، ومن دمعة صادقة، ومن قلب يخاف الله قبل أن يخاف الناس.
رضي الله عن الفاروق. لقد علمنا أن الدولة لا تُبنى بالقصور، بل تُبنى بالضمائر.



