(نقطة ضوء) سفيان عبدالغفار ابومحمد يكتب… وجبه وعود وابتسامة!!

في زمنٍ أثقلت فيه الأوجاع كاهل الناس، وغابت فيه البسمة عن وجوهٍ أنهكها المرض والانتظار، جاءت نقطة ضوء لتقول إن الإنسانية ما زالت بخير، وإن العطاء ما زال قادراً على أن يصنع الفرح حتى في أكثر الأماكن ألماً.
في الخامس من نوفمبر 2026م، تحوّل مركز الكلى بجبل أولياء إلى مساحةٍ للحياة، لا للوجع فقط. فقد نظّمت منظمة ينابيع الجبل للتنمية والعون الإنساني يوماً ترفيهياً استثنائياً للمرضى، لم يكن مجرد فعالية عابرة، بل كان رسالة حبٍّ ومواساة، كُتبت بوجبةٍ دافئة، وكوب عصيرٍ منعش، ونغمة عودٍ لامست القلوب قبل الآذان.
منذ اللحظات الأولى، بدا المشهد مختلفاً. وجوهٌ كانت مثقلة بالصمت بدأت تبتسم، وأيدٍ كانت متعبة من جلسات الغسيل امتدت لتستقبل الوجبة الغذائية والعصائر التي قُدّمت بحبٍّ وكرم، وكأن المنظمين أرادوا أن يقولوا للمرضى: أنتم لستم وحدكم، نحن هنا معكم، نراكم ونشعر بكم.
ولم يتوقف العطاء عند الطعام، بل امتد إلى الروح. فصدحت أرجاء المركز بفواصل غنائية بالعود، قادها المطرب جلال بصوته الدافئ الذي أعاد للمكان ذاكرة الفرح، ورافقه صاحب الأنامل الذهبية معاوية، الذي جعل أوتار العود تنطق بما عجزت عنه الكلمات. كانت الأنغام تتنقل بين القلوب كنسمةٍ خفيفة، فيصفق مريض، ويتمايل آخر، وتدمع عين ثالثة فرحاً، لأن الموسيقى هنا لم تكن ترفاً، بل كانت دواءً آخر، دواءً للروح المتعبة.
وزاد هذا اليوم بهاءً حضورُ قياداتٍ آمنت بأن الطب لا يكتمل إلا بالإنسانية. فقد شرّف الفعالية مدير المستشفى التركي الدكتور عبد الباقي أبو كساوي، ومدير مستشفى طيبة الحسناب الدكتور سيد، وممثل الإسناد المدني بالمحلية مضوي العوض، وممثل منظمة العمران للتنمية والإعمار الاتحادية الباشمهندس عوض مدني يرافقهم من قيادات المجتمع المدني الأستاذ احمد علي والاستاذ محمدالبشير. كان حضورهم رسالة دعمٍ واضحة، وتأكيداً على أن المؤسسات حين تتكامل، يصبح الأمل أكبر، ويصبح المريض في قلب الاهتمام لا على هامشه.
لقد تجلّى في هذا اليوم معنى التكافل الحقيقي. فالمنظمات والمستشفيات والإسناد المدني لم يجتمعوا من أجل الصور والشعارات، بل من أجل الإنسان. من أجل مريضٍ يستحق أن يبتسم، وأسرةٍ تستحق أن تطمئن، ومجتمعٍ يستحق أن يرى أن الخير ما زال يمشي بيننا.
إن ما حدث في مركز الكلى لم يكن يوماً ترفيهياً فقط، بل كان نقطة ضوء في نفقٍ طويل. نقطة ضوء تقول لكل مريض: إن وجعك ليس منسياً، وإن فرحك حقٌّ مشروع، وإن هناك من يفكر فيك، ويطهو لك، ويغني لك، ويقف بجانبك حتى تعبر.
وما أجمل أن يتحول العود إلى بلسم، والوجبة إلى محبة، والعصير إلى ابتسامة، والحضور إلى سند. تلك هي الإنسانية في أبهى صورها، وتلك هي الرسالة التي حملتها ينابيع الجبل: أن نكون ينابيع لا تنضب من العطاء، في أرضٍ عطشى للفرح.
سيبقى هذا اليوم محفوراً في ذاكرة المرضى والزوار، وسيبقى شاهداً على أن مبادرة صغيرة صادقة، قادرة على أن تصنع فرقاً كبيراً. فشكراً لكل من ساهم، وغنى، وقدّم، وحضر، ورسم بسمة. وشكراً لنقطة الضوء التي أضاءت قلوباً كادت أن تنطفئ.



