مقالات الظهيرة

(نقطة ضوء) سفيان عبدالغفار ابومحمد يكتب… تشريح فكرة انفصال دارفور.. من يربح ومن يدفع الفاتورة؟

فكرة انفصال دارفور لم تعد مجرد منشور غاضب على فيسبوك، أصبحت مشروعاً يتم تسويقه بهدوء في غرف مغلقة، ولذلك يجب أن نحللها بمنطق بارد بعيداً عن العاطفة والشتائم، من المستفيد بالأرقام والمصالح؟

1- المستفيد الجيوسياسي: نظرية تفتيت السودان

السودان بمساحته الحالية 1.8 مليون كيلومتر مربع قبل انفصال الجنوب، و 700 ألف كيلو الآن، يعتبره المخططون الاستراتيجيون دولة كبيرة جداً على مواردها، دولة تطل على البحر الأحمر، ولديها نيل وذهب ويورانيوم، ولذلك مشروع تفتيتها ليس جديداً، هو مشروع قديم منشور في مراكز دراسات أمريكية وإسرائيلية منذ الثمانينات تحت عنوان إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط.

انفصال دارفور يعني تلقائياً:

– دولة جديدة مساحتها 493 ألف كيلومتر مربع، أي ثلثي مساحة السودان الحالي.

– حدود مباشرة مع أربع دول: تشاد، ليبيا، أفريقيا الوسطى، جنوب السودان، كلها دول هشة وحدودها مفتوحة للسلاح.

– إضعاف ما تبقى من السودان ليصبح دولة حبيسة الموارد، بلا ذهب دارفور الذي يمثل 65% من إنتاج الذهب السوداني الحالي، وهو حوالي 70 طن سنوياً.

من يستفيد؟ كل دولة تريد سوداناً ضعيفاً لا يستطيع أن يكون سلة غذاء العالم، ولا يستطيع أن يتحكم في مياه النيل.

2- المستفيد الاقتصادي: اقتصاد الحرب

دارفور اليوم تنتج:

– 65% من ذهب السودان.

– أكبر مخزون يورانيوم غير مستغل في جبل مرة حسب المسح الجيولوجي الفرنسي 1970.

– حوض البقارة النفطي الذي يمتد من دارفور إلى تشاد.

– ثروة حيوانية تقدر بـ 30 مليون رأس.

في حالة الانفصال، الدولة الوليدة ستكون دولة فاشلة اقتصادياً في أول 10 سنوات، بلا بنك مركزي، بلا عملة، بلا ميناء، وبالتالي ستوقع اتفاقيات تنقيب مجحفة بنسبة 90% للشركة الأجنبية و 10% لها، كما فعل جنوب السودان عندما وقع اتفاقيات نفطية بخسارة 40% من قيمتها لأنه كان بلا خبراء تفاوض.

المستفيد هنا هو شبكات التهريب العابرة للحدود، وشركات التعدين المرتبطة بمرتزقة فاغنر سابقاً والآن بشركات إماراتية وروسية تبحث عن الذهب الرخيص.

3- المستفيد السياسي الداخلي: هروب النخب من العدالة

هناك نوعان من النخب المستفيدة:

أ- نخبة المركز الانتهازية: التي تريد أن تقول للشعب السوداني بعد فشلها 70 سنة: المشكلة ليست فينا، المشكلة في دارفور التي تستهلك الميزانية، لو تخلصنا منها سننهض، وهذا نفس الخطاب الذي قيل عن الجنوب، وبعد انفصاله لم ننهض، بل سقط الجنيه من 2 جنيه للدولار إلى 7800 جنيه.

ب- نخبة الهامش الانتهازية: بعض قادة الحركات المسلحة الذين اكتشفوا أن المناضل من أجل العدالة في الخرطوم يحصل على وزارة، أما رئيس دولة دارفور المستقلة فيحصل على قصر رئاسي وجواز دبلوماسي وثروة، حتى لو كانت الدولة الجديدة عبارة عن مخيم نازحين كبير.

4- الخاسر الأكبر بالأرقام

– المواطن الدارفوري: سيفقد المواطنة السودانية، وسيواجه حرباً داخلية بين مكوناته الـ 80 قبيلة على من يحكم، التجربة تقول إن 70% من الدول التي انفصلت في أفريقيا دخلت حرباً أهلية داخلية بعد 3 سنوات من انفصالها.

– السودان الأم: سيفقد 40% من ثروته الحيوانية، و 65% من ذهبه، وسيصبح دولة بلا عمق استراتيجي غربي، مكشوفة أمام النفوذ التشادي الليبي.

الخلاصة التحليلية: انفصال دارفور ليس حلاً لمشكلة دارفور، هو حل لمشكلة الآخرين على حساب دارفور والسودان معاً، دارفور لا تحتاج إلى علم جديد، بل تحتاج إلى عدالة حقيقية، إلى نسبة 40% من ذهبها يبقى فيها، إلى جامعات ومستشفيات وطرق، وإلى اعتراف بأن المواطن في الفاشر لا يقل سودانية عن المواطن في الخرطوم.

الدول لا تتقدم بالبتر، بل بالعلاج.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى