مقالات الظهيرة

(مسارب الضي) د. محمد تبيدي يكتب… بين المنصب والسلطة الرمزية… حين يختبر القانون حدود النفوذ في لحظة وطنية حرجة وسلمي عبدالجبار تلقي باستقالتها أمام البرهان

وعلى حد قولي:

إذا ضاقَ دربُ القومِ صاحَ ضميرُهم

وقالَ القانونُ: لا أحدٌ فوقَ البلاد

فمن صانَ قدرَ الناسِ عاشَ مكرّماً

ومن خانَ ثوبَ المنصبِ أطفأَ الأمجاد

 

في لحظات الأزمات الكبرى، لا تُقاس الشخصيات العامة فقط بما حققته في الماضي، بل بطريقة إدارتها للاختبار حين يتقاطع النفوذ مع القانون. وما دار من جدل حول الدكتورة سلمى عبدالجبار المبارك أعاد إلى الواجهة سؤالاً قديماً جديداً: هل تكفي الرمزية السياسية لحماية المسؤول من النقد، أم أن المنصب العام يضاعف المسؤولية ويجعل كل خطوة تحت مجهر الرأي العام؟

الدكتورة سلمى عبدالجبار المبارك، المعروفة بحضورها في المشهد السياسي السوداني خلال السنوات الأخيرة، دخلت مجلس السيادة الانتقالي لأول مرة عقب أحداث أكتوبر 2021، ثم أُعيد تعيينها لاحقاً ضمن تشكيلة جديدة بمرسوم دستوري صدر في مايو 2025، مع تعيين رئيس الوزراء كامل إدريس وإضافة أعضاء جدد للمجلس. وتشير معلومات إلى أنها تنحدر من ولاية الجزيرة وتحمل درجة الدكتوراه في العلوم البيئية، وعملت في المجال الأكاديمي قبل انتقالها إلى الحقل العام. كما ارتبط اسمها بعدد من المبادرات المتعلقة بالشباب والزراعة والعمل المجتمعي خلال فترة عضويتها بالمجلس.

لكن التاريخ السياسي لأي مسؤول لا يمنحه حصانة دائمة، خاصة عندما ينشأ انطباع بأن النفوذ يمكن أن يتجاوز الحدود المؤسسية. الجدل الأخير، والذي تمحور حول تفاعلها مع موظف في مصلحة الأراضي بولاية الخرطوم، وضع القضية في إطار أوسع صراع بين ثقافة الدولة القانونية وإرث طويل من تأثير المناصب على مسار الإجراءات الإدارية. ومن المهم هنا التأكيد أن تناول هذا الملف يجب أن يظل في حدود النقد السياسي والقراءة العامة دون إطلاق أحكام قضائية أو مساس بكرامة الأشخاص، فالقانون وحده هو الفيصل.

في المقابل، برز في الرواية المتداولة عنصر آخر لا يقل أهمية، وهو صورة الموظف الذي اختار تطبيق اللوائح كما هي، ليجد قطاعاً من الرأي العام في ذلك انتصاراً لفكرة الدولة لا للأفراد. هذه الصورة، سواء اتفق الناس مع تفاصيلها أو اختلفوا، عكست عطشاً سودانياً متراكماً لعودة معيار واحد يحكم الجميع: القانون قبل المكانة، والمؤسسة قبل الشخص.

السؤال الذي يطرحه المواطن البسيط اليوم ليس متعلقاً بالدكتورة سلمى وحدها، بل بطريقة إدارة السلطة في مرحلة دقيقة تمر بها البلاد.

السودان يعيش ظرفاً استثنائياً، وحالة حرب وانقسام، ومؤسسات تحاول إعادة بناء ثقة فقدت عبر سنوات من الاضطراب. في مثل هذا المناخ، يصبح أي تصرف يُفهم على أنه تجاوز للحدود الرسمية عبئاً سياسياً يتعدى صاحبه ليصل إلى المؤسسة التي يمثلها.

ولأن مجلس السيادة يمثل رمزاً لسيادة الدولة في هذه المرحلة، فإن أي جدل حول أحد أعضائه ينعكس مباشرة على صورة الدولة نفسها. من هنا جاءت الأصوات التي رأت أن الاستقالة أو الاعتذار السياسي كان يمكن أن يشكل مخرجاً أكثر حكمة، ليس باعتباره إدانة، وإنما احتراماً لرمزية المنصب وإبعاداً للمؤسسة عن السجال الشعبي. في السياسة، أحياناً يكون التراجع خطوة لحماية الموقع لا هزيمة شخصية.

وفي سياق أوسع، أعاد البعض المقارنة بينها وبين شخصيات مدنية أخرى مثل رئيس الوزراء السابق عبدالله حمدوك أو خالد سلك او دقلو نفسها وقوى سياسية وشخصيات أثرت في المشهد الانتقالي، وهي مقارنات تعكس انقسام الساحة السودانية أكثر مما تعكس حقائق موضوعية. التاريخ السياسي لا يُكتب عبر الخلافات اللحظية، بل عبر كيفية إدارة الأزمات واحترام قواعد اللعبة العامة.

من الناحية السياسية، جاءت إعادة تعيينها في توقيت كانت فيه السلطة تسعى إلى توسيع التمثيل وإرسال رسائل تتعلق بإشراك النساء في مؤسسات الحكم، وهو ما أُعلن رسمياً ضمن قرارات التعيين. لكن التحدي الحقيقي لأي تعيين لا يكمن في خلفيته الرمزية بقدر ما يكمن في الأداء اليومي وفي القدرة على تجنب الاحتكاك الذي يضع الدولة في موقف دفاعي أمام الجمهور.

موقع دارفور٢٤ الاخباري +١

المشهد الحالي يكشف حقيقة واضحة: المزاج السوداني تغيّر. المواطن الذي أنهكته الحرب والأزمات الاقتصادية لم يعد معنيّاً بخطابات التبرير، بل يريد مؤسسات تعمل بمعايير واضحة. لذلك فإن أي حادثة تمس الإحساس بالمساواة أمام القانون تتحول سريعاً إلى قضية رأي عام، حتى لو كانت تفاصيلها الإجرائية صغيرة.

إن النقد هنا ليس موجهاً لشخص بعينه بقدر ما هو دعوة لإعادة تعريف العلاقة بين المسؤول والسلطة. فالمسؤول العام لا يملك امتيازاً خاصاً، بل يحمل عبئاً مضاعفاً، وكلما علا المنصب ضاقت مساحة الخطأ.

وإذا كان هناك درس يمكن استخلاصه من الجدل الحالي، فهو أن الدولة الحديثة تُبنى عندما يشعر أصغر موظف أنه محمي بالقانون، لا عندما يخشى ظل النفوذ.

في نهاية المطاف، ستبقى السيرة السياسية لأي شخصية مفتوحة على التقييم، تتأثر بالقرارات الصغيرة كما تتأثر بالمواقف الكبرى. وقد يكون ما حدث فرصة لمراجعة أعمق داخل مؤسسات الحكم حول كيفية إدارة العلاقة مع الأجهزة التنفيذية والموظفين، بما يضمن احترام التسلسل الإداري وحماية صورة الدولة في آن واحد.

السودان اليوم يحتاج إلى خطاب يخفف الاستقطاب، ويعيد الثقة في المؤسسات، ويُعلي من قيمة القانون فوق الأشخاص.

فالمناصب زائلة، أما سمعة الدولة فهي ما يبقى في ذاكرة الشعوب. وبين هذا وذاك، يبقى الرهان الحقيقي على وعي المجتمع وقدرته على تحويل كل أزمة إلى درس في بناء دولة عادلة.

 

وأنا سأكتب للوطن حتى أنفاسي الأخيرة….

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى