محمد أحمد البشرى يكتب… من الكرامة إلى الإرادة الوطنية!!

في الخامس عشر من أبريل 2023 دخل السودان واحدة من أخطر المراحل في تاريخه الحديث، حيث واجهت الدولة تحديًا وجوديًا هدد أمنها واستقرارها ووحدة مؤسساتها. وفي تلك اللحظات العصيبة لم تكن القوات المسلحة وحدها في الميدان، بل وقف معها الشعب السوداني بكل مكوناته، مساندًا وداعمًا ومشاركًا في معركة الكرامة التي تحولت إلى عنوان للصمود الوطني والتلاحم بين الجيش والشعب.
لقد سطّر السودانيون ملحمة وطنية عظيمة، وقدموا نموذجًا فريدًا في التضحية والبذل، فشاركت قطاعات واسعة من أبناء الوطن في الاستنفار والتطوع والدعم المادي والمعنوي، مؤمنين بأن حماية السودان مسؤولية جماعية لا تقتصر على مؤسسة بعينها. وكان هذا الالتفاف الشعبي من أهم عوامل الصمود والانتصار، وأكد أن قوة القوات المسلحة تستمد جزءًا كبيرًا من قوتها من ثقة شعبها ووقوفه خلفها في أوقات الشدة.
ويأتي هذا الحديث متزامنًا مع احتفالات القوات المسلحة السودانية بعيدها الثاني والسبعين، وهي مناسبة وطنية نستحضر فيها تاريخًا طويلًا من العطاء والتضحيات في سبيل حماية السودان وصون سيادته ووحدة أراضيه. وبهذه المناسبة نتقدم بخالص التهاني والتبريكات إلى قيادة القوات المسلحة وضباطها وضباط صفها وجنودها، ونحيي ما قدموه من بطولات وتضحيات خلال معركة الكرامة. كما نترحم على أرواح الشهداء الذين بذلوا دماءهم فداءً للوطن، ونسأل الله الشفاء العاجل للجرحى والمصابين، مؤكدين أن الوفاء الحقيقي لهذه التضحيات لا يكون بالكلمات وحدها، وإنما بالمحافظة على مكتسبات النصر والعمل من أجل مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا للسودان.
غير أن الانتصار العسكري، على أهميته وعظمته، لا يمثل نهاية الطريق، بل هو بداية مرحلة جديدة من المسؤولية الوطنية. فكما وقف الشعب السوداني مع جيشه في ميادين القتال، فإن الواجب الوطني اليوم يقتضي أن يقف معه في ميادين البناء والتنمية والإعمار. فالأوطان لا تُحفظ بالقوة وحدها، وإنما تُحفظ كذلك بالعمل والإنتاج وبناء المؤسسات وترسيخ الاستقرار وتعزيز الوحدة الوطنية.
إن السودان اليوم بحاجة إلى انتقال طبيعي من روح الكرامة التي صنعت الصمود والانتصار إلى روح الإرادة الوطنية التي تصنع البناء والتنمية. فالمعركة القادمة ليست معركة سلاح، بل معركة وعي وعمل وإصلاح وإعمار. وهي معركة تتطلب من الجميع أن يضعوا مصلحة الوطن فوق المصالح الحزبية والشخصية والجهوية، وأن يتجاوزوا خلافات الماضي وتنافسات السياسة الضيقة من أجل مشروع وطني جامع يحفظ السودان ويقوده نحو المستقبل.
ومن هنا تبرز أهمية دعم المبادرات الوطنية التي تجمع السودانيين حول الثوابت الكبرى، وفي مقدمتها الحفاظ على الدولة ووحدة الوطن واستقراره وتنميته. فالمطلوب اليوم ليس التنافس على السلطة بقدر ما هو التنافس في خدمة الوطن، وليس البحث عما يفرق السودانيين بل عما يجمعهم، وليس استدعاء الخلافات القديمة بل صناعة رؤية جديدة تستلهم تضحيات معركة الكرامة وتحوّلها إلى مشروع وطني مستدام.
إن تحالف الإرادة السودانية يمثل دعوة مفتوحة لكل الوطنيين الذين يؤمنون بأن السودان أكبر من الأحزاب وأوسع من الانتماءات الضيقة، وأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى رجال ونساء يرتفعون فوق الحسابات الصغيرة وينظرون إلى الوطن باعتباره القضية الكبرى التي تستحق أن تُبذل من أجلها الجهود وتُوحّد حولها الصفوف.
لقد أثبت الشعب السوداني خلال معركة الكرامة أنه قادر على التضحية عندما يكون الوطن في خطر، واليوم أمامه فرصة تاريخية ليؤكد أنه قادر كذلك على البناء عندما تتهيأ أسباب الاستقرار. فكما وقف الشعب مع جيشه في الحرب، يجب أن يقف معه في السلم، يحمي مؤسسات الدولة، ويدعم التنمية، ويسهم في إعادة الإعمار، ويعزز قيم الوحدة والتسامح والعمل الوطني المشترك.
إن الوفاء الحقيقي لتضحيات الشهداء ولصمود القوات المسلحة لا يكون بمجرد الاحتفاء بالانتصارات، وإنما بتحويل تلك التضحيات إلى نهضة وطنية شاملة تحفظ للسودان أمنه واستقراره وكرامته. ومن الكرامة التي صنعت النصر، إلى الإرادة الوطنية التي تصنع المستقبل، يمضي السودان نحو مرحلة جديدة عنوانها الوحدة والبناء والعمل من أجل وطن يستحق من أبنائه جميعًا أن يكونوا على قدر المسؤولية.
الأستاذ محمد أحمد البشرى
15 أغسطس 2026م


