مقالات الظهيرة

(من همس الواقع) د.غازي الهادي السيد يكتب….‏إهانة المعلم جرح في جسد الأمةونكسة في ضمير الإنسانية!!

يقول المثل الياباني:إبتعد عن المُعلم سبعةأقدام، حتى لا تدوس على ظله بالخطأ،هكذا جسدت اليابان عظمتهاوتقدمها ورقيها من باب احترام المعلم وجعله من الفئةالأولى على كل وظائف الدولة،وعندما

سُئل إمبراطور اليابان ذات يوم عن أسباب تقدم دولته في هذا الوقت القصير ؟

فقال:بدأنا من حيث انتهى الآخرون، وتعلمنا من أخطائهم، ومنحنا المعلم حصانة الدبلوماسي وراتب الوزير،

لقد اهتموا بالتعليم وجودته، ورفعوا قدر ومكانة المعلم، لدرجة أن موقع المعلم يأتي بعد موقع الإمبراطور مباشرة،بينما ظلت الدول المتقدمةتمنح المعلم مكانة رفيعةوحصانة اجتماعية ومادية،إلا أن بلادنا نجد فيها المعلمين يعانون أشدّ المعاناةمن تهميش واقعي وضغوط قاسية أثرت على دورهم الأساسي في بناءالمجتمع، وهذا ماأدى إلى ظهور ظواهر سالبة في المجتمع أدت إلى إهانة المعلم والاعتداء عليه لفظياً أو جسدياً من قبل بعض الطلاب أو أولياء الأمور الشيء الذي يُمثل خطراً على القيم التربويةوهيبة المؤسسات التعليمية،مما يُهدد ذلك مستقبل الأجيال ويفكك الروابط الأخلاقية في المجتمع،فإن ظاهرة اهانة المعلم والتجاوز على كرامته أصبحت في هذه الأيام شائعةومتكررة في وقتنا الحاضر، فالأيام الماضيةشهدت ظاهرتين لإعتداء آثم لبعض أولياءالأمور على معلم ومديرة مدرسةداخل حرم المدرسةوأمام تلاميذهم،فقد كان المشهد مؤلماً لما وصل إليه الحال في إهانة المعلم، بدلاً عن تكريمه وتعظيمه وهذا لعمري في الزمان غريب،وقد نُشر على نطاق واسع صورة الإعتداء الصادم الذي هز مشاعر الكثيرين،حيث تداول رواد مواقع التواصل صورة لمعلم يقف منكسر الملامح بعد تعرضه لإهانة واعتداء من أحد أولياء الأمور وللأسف أن يإتي هذا التصرف المشين من ِقِبل مسؤول حكومي، وداخل المدرسة،في واقعة أعادت إلى الواجهة أزمة تراجع هيبة المعلم داخل المؤسسات التعليمية،وما وصلت إليه بعض السلوكيات في المجتمع الشيء الذي يُعد تجاوز غير مسبوق في حق المعلم،مما يدق ناقوس الخطر الحقيقي، فالمعلم الذي يفترض أن يكون رمزا للعلم والتربية، والأخلاق الحميدةأصبح عرضة للإهانة والترهيب،الأمر الذي ينعكس سلبا على العملية التعليمية بأكملها،ويهدد قدرة المعلم على أداء رسالته في بيئة آمنة ومستقرة نفسيا، فالمساس بهيبةالمعلم يُؤدي إلى تراجع الأخلاق وضياع حقوق الأجيال القادمة أو ضياع الأمة بأكملها،وعندما يُهان المعلم فأقم على مستقبل البلاد مأتماً وعويلا،

حيث لم تعد ظاهرة حوادث التعدي اللفظي أو الجسدي على المعلم أو مديري المدارس مجرد وقائع فردية، بل أصبحت ظاهرة شائعة ومتكررة تثير قلق الوسط التعليمي والمجتمع ككل،

فهنالك عدة عوامل أدت إلى تراجع مكانة المعلم في بلادي،وجعلته عُرضه لمثل هذه الإعتداءات اللفظية والجسدية المتكررةومن هذه العوامل ماهو مرتبط بعوامل اقتصادية واجتماعية وتكنولوجية متداخلة،وأولها العامل الاقتصادي الذي أفقد المعلم مكانته المعهودة له منذ قديم الزمان،فضعف الراتب أوالأجر الذي يتقاضاه المعلم والذي صار لايفي ولايتناسب مع متطلبات الحياة المعيشية اليومية،جعله مستصغرا في نظر الغير.

فمثلاً راتب معلم بالدرجة الأولى الذي لايتعدى الـ 200ألف جنيه لايكفيه لإعالة أسرة لثلاثة أيام،ناهيك الشهر،وهذا ماجعل المعلم يبحث عن بدائل لتسد نقص المرتب.

ولكي يعيش المعلم حياة كريمة،يلجأ بعض المعلمين للدروس الخصوصية ودرس العصر غيرها،ومنهم من إمتهن مهن هامشية، فالمعلمون في بلادي قد صاروا من مستحقي الزكاة،لما يعيشون من حياة ضنكٍ وفقر،وقد أثر ذلك سلباً على صورتهم النمطية،وجعل صورتهم مهزوزة وسط مجتمعاتهم، الشيء الذي جعلهم عرضة للاعتداءات وعدم احترام كثير من أولياء الامور لهم في بعض المجتمعات، فظاهرة الاعتداءعلى المعلمين هي نتيجة طبيعية لتجاهل الدولة لحقوقه،لذا فإن إعادة هيبة المعلم ليست امتيازاً لهذه الفئة الوظيفية بل هي حماية لمستقبل البلاد فالأطباء والمهندسون والقضاة والضباط والعلماء جميعهم مروا من تحت يد معلم آمن برسالته وأخلص في أداء واجبه

 

فإذا انكسرت هيبة المعلم فإن هيبة التعليم ستنكسر وإذا انهار التعليم فلن يكون هناك مستقبل مزدهر للوطن،فاحترام المعلم هو الطريق الوحيد لبناء دولة قوية آمنة ومتقدمة،ومن هنا تبرز مسؤولية الحكومة ووزارة التربية في اتخاذ إجراءات حازمةلحماية المعلم من خلال سن تشريعات رادعة تجرم وتعاقب كل من يتعدى عليه، وتوفير الحماية القانونية والإدارية له وعدم التساهل مع أي تجاوز مهما كان مصدره،فهذا نداء إلى كل مسؤول يؤمن بقيمة العلم والمعرفة،وإلى كل من يريد مستقبلا أفضل للوطن،أعلموا إن المعلمين ليسوا مجرد أرقام في ملفات.

بل هم قلوب تنبض بالعطاء،وعقول تفيض بالعلم، وهم من يصنعون المستقبل، فأكرموا صناع الحضارات، ورافعي لواء العلم،واعيدوا لهم كرامتهم واعتبارهم، بإعطائهم رواتب تليق بمايقدمونه من علمِ ظلوا يرفِدون به الأجيال في شتى المجالات، فمستقبل الأمة يبدأ من احترام المعلم،فالأمة التي لا تحترم معلميها،هي أمة بلا مستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى