كيف عزز الإسلام مكانة المرأة أكثر من سيداو؟
الظهيرة – د.أيمن محجوب عبد الله محمد :
تكريم الإسلام للمرأة:
لا يمكن الحديث عن نضال المرأة ودورها دون التوقف عند المكانة الرفيعة التي منحها الإسلام للمرأة، حيث كرّمها كأم وأخت وزوجة وابنة. لقد جاء الإسلام ليُصحح المفاهيم الخاطئة التي كانت سائدة في الجاهلية حول المرأة، وأكّد على حقوقها وكرامتها. فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “استوصوا بالنساء خيرًا”، وجعل الجنة تحت أقدام الأمهات، تكريمًا لدورها العظيم في تربية الأجيال. كما منح الإسلام المرأة الحق في التعليم والعمل والمشاركة في الحياة العامة، بل وحتى في الجهاد عندما تدعو الحاجة. فالسيدة خديجة رضي الله عنها كانت سيدة أعمال ناجحة، والسيدة عائشة رضي الله عنها كانت عالمة وفقيهة نقلت لنا الكثير من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم. وهكذا، فإن الإسلام لم يُهمش المرأة، بل أعطاها مكانتها الحقيقية كشريك فاعل في بناء المجتمع.
اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، المعروفة باسم “سيداو” (CEDAW)، كانت ولا تزال واحدة من أهم الوثائق الدولية التي تعنى بحقوق المرأة. منذ اعتمادها في عام 1979، نجحت سيداو في لفت الانتباه إلى قضايا التمييز ضد المرأة ودعت الدول إلى اتخاذ إجراءات لضمان المساواة بين الجنسين. ولكن مع مرور الوقت، بدأ البعض يتساءل: هل أصبحت سيداو مجرد ترف فكري وتراث إنساني تجاوزه الزمن؟ أم أنها لا تزال ذات صلة في عالم اليوم؟
سيداو ليست مجرد وثيقة قانونية، بل هي رمز لحركة عالمية من أجل حقوق المرأة. بينما لا تزال الاتفاقية ذات صلة في العديد من النواحي، إلا أنها تواجه تحديات كبيرة في عالم متغير. لكي تظل سيداو ذات أهمية، يجب أن تتطور لتواكب التحديات الجديدة، وأن تأخذ في الاعتبار التنوع الثقافي والديني للمجتمعات حول العالم.
في خضم النقاشات العالمية حول حقوق المرأة والمساواة بين الجنسين، تبرز الشريعة الإسلامية كنظام شامل يقدم رؤية متكاملة لحقوق المرأة وواجباتها. في حين أن اتفاقية سيداو (CEDAW) تعتبر واحدة من أهم الوثائق الدولية التي تدعو إلى المساواة بين الجنسين، فإن الإسلام يعزز مكانة المرأة بطريقة أكثر شمولية وعمقًا، تأخذ في الاعتبار الجوانب الروحية، الاجتماعية، الاقتصادية، والقانونية. فكيف عزز الإسلام مكانة المرأة أكثر من سيداو؟ هذا السؤال يستدعي مقارنة بين الرؤية الإسلامية والرؤية الغربية التي تعتمد عليها سيداو.
.1 الاعتراف بالمساواة الروحية بين الرجل والمرأة
في الإسلام، الرجل والمرأة متساويان في القيمة الإنسانية والمسؤولية الروحية. يقول الله تعالى في القرآن الكريم: “إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا” (سورة الأحزاب، الآية 35). هذه الآية تؤكد أن الرجل والمرأة متساويان في التكريم الإلهي وفي الفرص الروحية.
في المقابل، تركز سيداو على المساواة القانونية والاجتماعية، ولكنها لا تتعامل مع الجانب الروحي أو الأخلاقي، الذي يعتبر أساسًا في الإسلام لتعزيز مكانة المرأة.
2. الحقوق الاقتصادية والمالية
منح الإسلام المرأة حقوقًا اقتصادية ومالية لم تحصل عليها في العديد من الثقافات الأخرى حتى القرن العشرين. ففي الإسلام، للمرأة الحق في التملك، التصرف في أموالها، والميراث. يقول الله تعالى: “لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا” (سورة النساء، الآية 7). هذه الآية تؤكد حق المرأة في الميراث، وهو ما كان ثورة في وقت نزول القرآن.
في المقابل، سيداو تدعو إلى المساواة في الحقوق الاقتصادية، ولكنها لا تقدم نظامًا متكاملًا مثل الإسلام، الذي يضمن للمرأة استقلالها المالي دون أن تتحمل أعباء مالية إضافية، مثل النفقة على الأسرة، التي هي من مسؤولية الرجل.
.3 الحقوق الاجتماعية والأسرية
في الإسلام، المرأة لها مكانة مركزية في الأسرة والمجتمع. الزوجة شريكة للرجل في بناء الأسرة، ولها حقوق محددة، مثل الحق في المهر، النفقة، والمعاملة الحسنة. يقول الله تعالى: “وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ” (سورة النساء، الآية 19). كما أن الإسلام يحمي المرأة من الظلم والاستغلال، ويحرم الإجبار على الزواج أو حرمانها من حقوقها الشرعية.
في المقابل، سيداو تركز على المساواة في العلاقات الأسرية، ولكنها لا تقدم إطارًا أخلاقيًا أو روحيًا لضمان استقرار الأسرة، كما يفعل الإسلام. فالإسلام يعزز مكانة المرأة كأم وزوجة، ويجعل برها وطاعتها من أعظم القربات إلى الله.
.4 الحماية من العنف والظلم
الإسلام يحرم جميع أشكال العنف ضد المرأة، سواء كان لفظيًا أو جسديًا. يقول النبي محمد (صلى الله عليه وسلم): “خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي” (رواه الترمذي). هذا الحديث يؤكد على أهمية معاملة المرأة بالحسنى وعدم الاعتداء عليها.
في المقابل، سيداو تدعو إلى حماية المرأة من العنف، ولكنها لا تقدم إطارًا أخلاقيًا أو دينيًا لتحقيق ذلك، كما يفعل الإسلام. فالإسلام لا يكتفي بمنع العنف، بل يعلم الرجال والنساء كيفية التعامل باحترام ومحبة.
.5 التوازن بين الحقوق والواجبات
الإسلام يوازن بين حقوق المرأة وواجباتها، مما يخلق مجتمعًا متوازنًا ومستقرًا. ففي حين أن المرأة لها حقوق محددة، فإنها أيضًا تتحمل مسؤوليات، مثل تربية الأبناء والمشاركة في بناء المجتمع. هذا التوازن يجعل المرأة شريكًا فعالًا في المجتمع، وليس مجرد متلقٍ للحقوق.
في المقابل، سيداو تركز بشكل كبير على الحقوق دون الاهتمام الكافي بالواجبات، مما قد يؤدي إلى خلل في العلاقات الاجتماعية والأسرية.
الخلاصة: الإسلام وسيداو بين الرؤية الشاملة والنظرة الجزئية
في حين أن سيداو تقدم إطارًا قانونيًا لتعزيز حقوق المرأة، فإن الإسلام يقدم رؤية شاملة تعزز مكانة المرأة في جميع جوانب الحياة: الروحية، الاجتماعية، الاقتصادية، والقانونية. الإسلام لا يكتفي بمنح المرأة حقوقًا، بل يعلم المجتمع كيفية احترامها وتكريمها.
الإسلام يعزز مكانة المرأة من خلال الاعتراف بقيمتها الإنسانية، حمايتها من الظلم، وضمان حقوقها الاقتصادية والاجتماعية. هذه الرؤية الشاملة تجعل الإسلام نظامًا أكثر عمقًا واستدامة في تعزيز مكانة المرأة، مقارنة بسيداو التي تركز بشكل أكبر على الجوانب القانونية والاجتماعية دون الاهتمام الكافي بالجوانب الروحية والأخلاقية.
في النهاية، فإن الإسلام لا يعتبر المرأة مجرد كائن يحتاج إلى حماية، بل يعتبرها شريكًا أساسيًا في بناء المجتمع، مما يجعل تعزيز مكانتها جزءًا لا يتجزأ من النظام الإسلامي الشامل.
ختاماً: تحية للمرأة السودانية في يومها العالمي، وتحية لكل امرأة في العالم تسعى لتحقيق ذاتها وتغيير واقعها إلى الأفضل.


