مقالات الظهيرة

(في ذات الإطار) مصطفى عمر مصطفى هاتريك يكتب… ولاية الجزيرة بعد الحرب… من إعادة الإعمار إلى استعادة الحياة

حين نتحدث عن ولاية الجزيرة بعد الحرب، فإننا لا نتحدث عن رقعة جغرافية أصابها الخراب، ولا عن منشآت تحتاج إلى الترميم فحسب؛ إنما نتحدث عن واحدة من أهم البيئات الاقتصادية والاجتماعية في السودان، عن أرضٍ ارتبط اسمها بالزراعة والإنتاج، وعن مدنٍ وأسواقٍ وقرى كانت تشكل معاً نسيجاً حيوياً في قلب البلاد.

 

ولذلك فإن السؤال بعد الحرب ليس: كيف نعيد بناء ما تهدم؟

وحده.

 

بل السؤال الأكبر: كيف نعيد تشغيل الحياة نفسها؟

 

فالطريق الذي يصل بين قرية ومدينة، والحقل الذي ينتظر الماء والبذرة، والسوق الذي ينتظر المنتج، والمصنع الذي ينتظر الكهرباء والمواد الخام، والمدرسة التي تنتظر تلاميذها، والمستشفى الذي ينتظر مرضاه؛ كلها حلقات في سلسلة واحدة، إذا انقطعت إحداها تعثرت بقية السلسلة.

 

ومن هنا تأتي خصوصية ولاية الجزيرة.

 

فالولاية لا تملك فقط مدناً تحتاج إلى الإعمار، وإنما تملك اقتصاداً زراعياً واسعاً يحتاج إلى إعادة تشغيل، ومجتمعاً منتجاً يحتاج إلى استعادة قدرته على العمل، وبنيةً تحتية تحتاج إلى إصلاح، وقطاعاً تجارياً يحتاج إلى استرداد عافيته، وموارد بشرية هائلة يمكن أن تكون جزءاً أساسياً من عملية النهوض.

 

مشروع الجزيرة… قلب المعادلة

 

يصعب الحديث عن التعافي الاقتصادي في الجزيرة من دون الوقوف طويلاً عند مشروع الجزيرة.

 

فالمشروع ليس مجرد أرضٍ زراعية؛ إنه شبكة اقتصادية واجتماعية متكاملة تمتد آثارها من الحقل إلى السوق، ومن المزارع إلى التاجر، ومن المنتج إلى العامل والناقل والصانع والمستهلك.

 

وعندما يتعطل هذا القلب، لا يتوقف الإنتاج الزراعي وحده؛ بل تتأثر الأسواق، والنقل، والخدمات، والدخل الأسري، وحركة المدن، والاقتصاد المحلي بأسره.

 

لذلك فإن إعادة تأهيل المشروع ينبغي أن تكون في صدارة أي رؤية جادة لتعافي الولاية، لا باعتبارها عملية زراعية فحسب، وإنما باعتبارها مشروعاً لإعادة بناء الاقتصاد والمجتمع.

 

لكن إعادة تشغيل الزراعة تحتاج إلى أكثر من الأرض.

 

تحتاج إلى الري، والتمويل، والمدخلات، والطرق، والطاقة، والتسويق، والتخزين، والتصنيع، والاستقرار الأمني. وتحتاج قبل ذلك كله إلى إعادة الثقة إلى المزارع؛ لأن الإنسان لا يزرع المستقبل إذا كان غير مطمئن إلى حصاد ما يزرع.

 

ود مدني… قلبٌ حضري في جسدٍ زراعي

 

وفي قلب هذه المعادلة تقف ود مدني.

 

فالمدينة ليست منفصلة عن ريف الجزيرة، كما أن ريف الجزيرة لا يستطيع الاستغناء عن المدينة. العلاقة بينهما اقتصادية واجتماعية وتاريخية؛ فالمنتج يأتي من الحقل إلى السوق، والخدمات والسلع والتمويل والخبرات تتحرك في الاتجاه الآخر.

 

ومن ثم فإن إعادة إعمار ود مدني ينبغي أن تكون جزءاً من إعادة إعمار الجزيرة كلها.

 

إعادة تأهيل الأسواق، والطرق، والمرافق الصحية والتعليمية، وشبكات المياه والكهرباء، والمنشآت الصناعية والخدمية، لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها مشاريع منفصلة، وإنما باعتبارها أجزاء من منظومة واحدة هدفها إعادة الدورة الاقتصادية إلى الحركة.

 

الاقتصاد الذي لا ينتظر المانحين

 

ومن الأخطاء التي قد ترافق مرحلة ما بعد الحرب أن يتحول مفهوم الإعمار إلى انتظارٍ دائم للمنح والمساعدات الخارجية.

 

المساعدات يمكن أن تكون جسراً ضرورياً في لحظة التعافي الأولى، لكنها لا تستطيع أن تكون اقتصاداً دائماً.

 

ولاية الجزيرة تحتاج إلى استعادة قدرتها على إنتاج الثروة.

 

وهذا يعني تشجيع الاستثمار المحلي، وإعادة تنشيط القطاع الخاص، وتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتشجيع الصناعات المرتبطة بالزراعة، وتطوير التخزين والنقل والتصنيع الغذائي، وخلق بيئة يستطيع فيها رأس المال المحلي وأبناء الولاية في الخارج أن يعودوا إلى الاستثمار دون خوف أو غموض.

 

فأموال أبناء الجزيرة في الداخل والخارج ليست مجرد مدخرات؛ إنها، إذا أُحسن توظيفها، جزء من رأس المال المطلوب لمرحلة النهوض.

 

الإنسان قبل الحجر

 

لكن كل ذلك يظل ناقصاً إذا اختزلنا الإعمار في المباني.

 

فالإنسان هو أول ما ينبغي أن يعود إلى الحياة.

 

عودة الأطفال إلى المدارس، وعودة المرضى إلى المستشفيات، وعودة الموظف إلى عمله، والمزارع إلى حقله، والحرفي إلى ورشته، والتاجر إلى متجره، والأسرة إلى بيتها؛ هذه هي المؤشرات الحقيقية لتعافي الجزيرة.

 

ولهذا فإن التعليم والصحة والخدمات الأساسية ليست بنوداً هامشية في مشروع الإعمار، بل هي استثمار مباشر في مستقبل الولاية.

 

فالولاية التي تعيد بناء الطرق ولا تعيد بناء الإنسان، إنما ترمم جسداً وتترك روحه جريحة.

 

إعادة الإعمار أم إعادة إنتاج الماضي؟

 

وربما تكون الحرب، رغم مآسيها، قد منحت الجزيرة فرصة نادرة لإعادة التفكير في نموذجها الاقتصادي.

 

فليس المطلوب بالضرورة أن نعيد إنتاج الجزيرة بالصورة التي كانت عليها قبل الحرب، وإنما أن نسأل:

 

كيف يمكن أن تكون الجزيرة بعد الحرب أكثر إنتاجاً، وأكثر كفاءة، وأكثر عدالة، وأكثر قدرة على الصمود؟

 

لماذا لا تتحول الزراعة من إنتاجٍ أولي إلى صناعةٍ متكاملة؟

 

ولماذا لا تُبنى حول الإنتاج الزراعي سلاسل قيمة حقيقية تشمل التصنيع والتعبئة والتخزين والتصدير؟

 

ولماذا لا تصبح مدن الجزيرة مراكز اقتصادية متخصصة، تتكامل فيما بينها بدلاً من أن تتنافس على الموارد المحدودة؟

 

ولماذا لا تكون ود مدني مركزاً للمال والأعمال والخدمات والتعليم والصحة، بينما تستعيد بقية مدن وقرى الولاية أدوارها الإنتاجية والخدمية المتنوعة؟

 

هذه ليست أسئلة ترفية.

 

إنها أسئلة المستقبل.

 

الشفافية… حجر الأساس

 

ويبقى هناك شرط لا يمكن القفز فوقه: الحوكمة الرشيدة.

 

فأكبر مشروع إعمار في العالم يمكن أن يتحول إلى عبء إذا غابت الشفافية، وضعفت الرقابة، وانتشرت المحسوبية، وتحولت الموارد إلى غنائم.

 

ولاية الجزيرة تحتاج إلى خطة إعمار معلنة، واضحة الأولويات، محددة المراحل والتكاليف، تشارك فيها الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني وأبناء الولاية في الداخل والخارج، وتخضع للمراجعة والمساءلة.

 

فالإعمار ليس مناسبة لتوزيع المشاريع.

 

إنه مسؤولية تاريخية.

 

الجزيرة… من جرح الحرب إلى مشروع المستقبل

 

ربما يكون من السهل أن نرى الخراب.

 

لكن الأصعب أن نرى ما يمكن أن يولد من بعده.

 

وفي الجزيرة، لا تزال هناك الأرض، والماء، والإنسان، والخبرة، والأسواق، والموقع، والذاكرة الاقتصادية، والقدرة على العمل.

 

وهذه ليست موارد قليلة.

 

إنها مقومات نهضة كاملة إذا اجتمعت لها الرؤية والإدارة والاستقرار.

 

ولذلك فإن معركة ما بعد الحرب ليست معركة إزالة آثار الخراب فحسب؛ إنها معركة استعادة الثقة في المستقبل.

 

نريد جزيرة لا تعود إلى ما كانت عليه فقط، بل تتقدم إلى ما كان ينبغي أن تكون عليه.

 

نريد مشروعاً زراعياً أكثر كفاءة، واقتصاداً أكثر تنوعاً، ومدناً أكثر تنظيماً، وريفاً أكثر ازدهاراً، وشباباً يجدون في أرضهم فرصة لا سبباً للهجرة، ورأس مال يجد في الولاية بيئة آمنة للاستثمار، ومؤسساتٍ لا تستهلك الموارد وإنما تحولها إلى قيمة وفرص.

 

وعندها فقط يمكن أن نقول إن الإعمار قد بدأ.

 

فـإعادة بناء ولاية الجزيرة ليست عملية ترميم لما هدمته الحرب؛ إنها محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والأرض والإنتاج والدولة والمستقبل.

 

أما ود مدني، فستظل في قلب هذا المشروع؛ لا لأنها عاصمة الولاية فحسب، وإنما لأنها تستطيع أن تكون العقل الحضري والاقتصادي الذي تتكامل حوله نهضة الجزيرة.

 

لقد أنهكت الحرب الأرض والإنسان.

 

لكن الأرض ما زالت تنتظر البذرة،

والنيل ما زال يمضي،

والمدن ما زالت تنتظر أصوات الأسواق،

والحقول ما زالت تعرف طريقها إلى الخضرة.

 

وما تحتاجه الجزيرة الآن ليس من يرث خرائبها،

بل من يمتلك شجاعة أن يرى، وسط الركام، ملامح المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى