(في ذات الإطار) مصطفى عمر مصطفى هاتريك يكتب… الكفاءة المزعجة!!

داخل الإطار :
ليست كل كفاءةٍ موضعَ ترحيب، ولا كل نجاحٍ مدعاةً للاحتفاء؛ فثمة كفاءةٌ تفتح الأبواب، وأخرى تُغلقها، وثمة نجاحٌ يرفع صاحبه إلى مقام التقدير، ونجاحٌ آخر يضعه في مرمى الاستهداف. وبين هذا وذاك، تقف الكفاءة المزعجة، تلك التي لا تُزعج أحدًا بقدر ما تُزعج العاجزين عن مجاراتها، ولا تُحرج أحدًا بقدر ما تُحرج أولئك الذين اعتادوا أن يظلوا في الصدارة دون أن يقدموا ما يبرر بقاءهم فيها.
في المجتمعات التي تختل فيها معايير التقييم، تتحول الكفاءة من ميزةٍ إلى عبء، ومن استحقاقٍ إلى تهمة، ومن فرصةٍ للتقدم إلى سببٍ للخصومة. فليس أخطر على صاحب المنصب الذي لا يُحسن أداءه أن يأتيه من يُنافسه في منصبه فحسب، بل أن يأتيه من يُثبت، بمجرد أدائه، أن ما كان يظنه إنجازًا لم يكن سوى فراغٍ يتكئ على الألقاب، وأن ما كان يراه تميزًا لم يكن إلا غيابًا للمنافسة.
الكفاءة المزعجة لا تحتاج إلى أن ترفع صوتها، ولا إلى أن تعلن عن نفسها في المنابر؛ يكفيها أن تنجز ما عجز عنه الآخرون، وأن تُتقن ما اعتادوا أداءه على نحوٍ مرتبك، وأن تُضيء زاويةً ظلت معتمةً طويلًا، حتى ينكشف الغبار الذي تراكم على الأشياء، وتظهر المسافة الفاصلة بين من يعمل ومن يتظاهر بالعمل.
وهنا تبدأ الحكاية.
في البداية، يُستقبل الكفء بالترحاب، وتُعلَّق عليه الآمال، وتُسند إليه المهام التي استعصت على غيره. ثم، حين تتجلى قدرته، ويبدأ أثره في الظهور، تتبدل نبرة الترحيب، وتتراجع عبارات الإعجاب، ويحل محلها سؤالٌ خبيث: من أين جاء بكل هذه الثقة؟
فإذا أنجز، قيل إنه يسعى إلى استعراض قدراته. وإذا أجاد، قيل إنه يريد أن يُظهر الآخرين بمظهر العاجزين. وإذا بادر، اتُّهم بتجاوز حدود اختصاصه. وإذا صمت، قيل إنه يتعالى على زملائه. وإذا تحدث، قيل إنه كثير الكلام.
وهكذا يُحاصر الكفء بين تأويلاتٍ لا تنتهي، ويصبح مطالبًا، فوق أداء عمله، بأن يعتذر عن إجادته، وأن يُخفي شيئًا من قدرته حتى لا يُربك الذين اعتادوا أن تكون الرداءة هي السقف الأعلى للطموح.
ولعل المفارقة الأكثر إيلامًا أن بعض البيئات لا تعادي الكفاءة لذاتها، بل تعادي ما تكشفه هذه الكفاءة من حقائق. فهي لا تُسقط بالضرورة صاحبها، وإنما تُسقط الأقنعة التي يرتديها الآخرون. ومن هنا تنشأ الخصومة؛ لأن الإنسان قد يتسامح مع من يُخالفه، لكنه يصعب عليه أن يتسامح مع من يُثبت له، دون أن يقصد، أن بإمكانه أن يكون أفضل مما هو عليه.
وليس كل من ضاق بالكفاءة عاجزًا عن العمل، ولا كل من حاربها حاسدًا بالضرورة؛ فقد يكون الخلل في مؤسسةٍ تُكافئ الولاء على حساب الإنجاز، أو في إدارةٍ تخشى التغيير، أو في ثقافةٍ ترى في المبادرة خروجًا عن المألوف، وفي الاختلاف تهديدًا لاستقرارٍ زائف.
لكن النتيجة واحدة: تتراجع معايير الاستحقاق، وتتقدم معايير المجاملة، ويصبح السؤال عن صاحب القدرة أقل أهمية من السؤال عن صاحب النفوذ، وتُفتح الأبواب لمن يُجيدون إرضاء أصحابها، بينما يُترك أصحاب الكفاءة على العتبات، لا لقصورٍ فيهم، بل لأنهم لا يُحسنون ارتداء الأقنعة المناسبة.
ولعل أكثر ما يُوجع في هذه الظاهرة أنها لا تكتفي بإيذاء الفرد الكفء، بل تمتد آثارها إلى المجتمع بأسره. فحين يُهمَّش المجيد، ويتقدم الأقل قدرة، تتعطل المصالح، وتضيع الفرص، وتُهدر الموارد، ويصبح الفشل أمرًا مألوفًا لا يستدعي المساءلة. ومع مرور الوقت، يتعلم المجتهد أن يخفض سقف طموحه، ويكتشف الموهوب أن إخفاء موهبته أكثر أمانًا من إظهارها، ويقتنع الطموح بأن الطريق إلى التقدم لا يمر بالضرورة عبر بوابة الإنجاز.
وهكذا لا نخسر كفاءةً واحدة، بل نخسر معها منظومةً كاملة من القيم، ونُربي أجيالًا على أن السلامة في التشابه، وأن التفوق قد يكون خطيئةً اجتماعية، وأن النجاح لا يُقاس بما يضيفه إلى حياة الناس، بل بما يثيره من ارتياحٍ لدى أصحاب الامتيازات القائمة.
ولعلنا في السودان، ونحن نواجه آثار الحرب وتحديات إعادة بناء الدولة والمجتمع، أحوج ما نكون إلى مراجعة هذه الثقافة التي تُعاقب المجيد وتُكافئ المساير. فإعادة الإعمار ليست تشييد جدرانٍ وأسقفٍ فحسب، ولا ترميم طرقٍ ومرافقَ متهالكة؛ إنها، قبل ذلك وبعده، إعادة بناء للعقلية التي تُدير الموارد، وتختار القيادات، وتُحدد من يستحق أن يتقدم الصفوف.
إن بلدًا أنهكته الحرب لا يحتمل أن تُستنزف طاقاته في صراعات النفوذ، ولا أن يُقصى أبناؤه القادرون لأنهم لا يُجيدون المجاملة، ولا أن تتحول المؤسسات إلى ساحاتٍ لحماية العجز من انكشافه.
نحتاج إلى بيئةٍ يصبح فيها التفوق مصدرًا للفخر لا للريبة، والإتقان معيارًا للتقدم لا سببًا للخصومة، وتكون فيها المنافسة على خدمة الناس لا على احتكار مواقعهم.
فالكفاءة ليست جريمةً تستوجب الاعتذار، والتميز ليس امتيازًا ينبغي إخفاؤه، والنجاح ليس إهانةً للآخرين.
آخر الإطار :
المجتمعات التي تُحارب كفاءاتها لا تُعاقب المجيدين وحدهم؛ إنها تُعاقب مستقبلها، وتُمهِّد الطريق لرداءةٍ لا تعرف كيف تُنقذ وطنًا، لكنها تعرف جيدًا كيف تحرس مواقعها.



