مقالات الظهيرة

(فريجابيات) عبد الحليم محمد الفريجابي يكتب… مشروع الجزيرة.. بص الرفاهية الكان ودعة ذاك الزمان….

ونحن صغار (صِبية) في مشروع الجزيرة، استمتعنا بكل شيء جميل بحكم عمل الوالد، وشهدنا كل ما يميز ويتميز به المشروع.

 

مرتب الوالد كان يكفي ويزيد.. والنظام الإداري المتبع من قبل الإدارة في تنظيم ونظافة الغيط، وسرايا الباشمفتش والمفتشين، حيث كانت لهذه المنازل المحاطة بشجر الكِتْر والسلك الشائك (هيبة.) حديقة ملحقة بالبيت، وجنينة لم تبخل بنوع من أنواع الفاكهة إلا وجادت به.. وجنايني خاص لتنسيق الحديقة وريها وإزالة الحشائش.

 

النفوس طيبة والعشرة حلوة، لا تسأل عن لون ولا جنس، الكل سواء، نلتقي نهاراً ويفرقنا النوم، والزمن كان مبتسم والليالي جميلة حالمة. وكنا نترقب أيام (الصرف) صرف المزارعين، حيث كانت تعد مناسبة أعياد بالنسبة لنا، فرصة لاستغلال ذلك اليوم وعمل ساندوتشات أو عصائر وأشهرها في ذاك الزمن كان (الكركدي) ويكون العائد مجزياً.

 

كذلك كنا نقوم بحراسة الخزنة مع فرد واحد من الشرطة عندما يكون هناك صرف للمزارعين، تأتي عربية الخزنة محملة بالكاش من بركات.. نظام دقيق لم يترك شيئاً للنسيان أو شماعة للاعتذار، تخطيط أكثر من استراتيجي قبل أن يظهر هذا العلم بمفهومه الحديث. يتحرك المفتش بخطاب من الباشمفتش لقسم شرطة الفريجاب لإحضار شرطي لحراسة الخزنة، ونحن نتمنى أن يكون فرداً واحداً حتى نجد فرصة للحراسة معه، حيث يتم تحفيزنا من المحاسبين.

 

كذلك من الأوقات التي لن ننساها مراقبة حركة قطار السكة حديد، ويفصلنا عن خط سكة حديد الجزيرة الترعة الجنوبية المتاخمة للمكتب نعتلي الترعة ونقوم بعدّ العربات المحملة بجوالات القطن الكبيرة (الكبس)، حيث يجر راس القاطرة أكثر من ثلاثين عربية في منظر يبعث الفرحة والطمأنينة بأن البلد بخير..يتوقف القطار عند محطة( الضباب) شرق فطيس ليتزود بالوقود بعد ذلك يواصل سيره لمحالج مارنجان انها العزة و الكرامة و الشموخ التي افتقدناها.. ليت تكون هناك لقطات توثيقية لهذه القطارات ولهذا الخير الوفير.. ليتاكد الحيل الحالي ان مشروع الجزيرة أسطورة لن تتكرر

 

ومن روائع المشروع الجميلة ما كان يتعارف عليه ببص (الرفاهية). تخيل، بص خاص يقل الموظفين المنتشرين في الغيط إلى ود مدني أو الخرطوم بغرض الترفيه كل شهر، شهر لحاضرة الولاية ود مدني وشهر للخرطوم، لكسر رتابة وضغوط العمل ليجد الموظف متنفساً وتغييراً بعيداً عن روتين العمل.. أما المفتشون فلهم عرباتهم الحكومية، الكورولا للباشمفتش واللاندروفر للمفتش.. يا له من زمن جميل وأيام من أيام المشروع الذهبية.

 

الأوقات المعتادة للبص كل شهر، أتذكر أن البص يأتي بعد دوام يوم الثلاثاء حيث يتحرك من رئاسة القسم، قسم الهدى، يقل موظفي مكاتب شندي، قوز الرهيد، ود الزين، الملان، ومحطته الأخيرة مكتب الفريجاب بعدها ينطلق في رحلته ..

 

سائق البص طويل القامة، شعره أبيض، يضع نظارة سوداء، عند بداية دخوله لمكتب الفريجاب يطلق بورياً طويلاً حتى ينتبه المسافرون لوصول البص ونتابع نحن البص ونترقب حركته كأننا مسافرون.

 

يصل البص بساحة وسط المكتب، يطلق بورياً، ينزل السائق ويترك ماكينة البص تعمل، يضع النظارة السوداء فوق رأسه ويخرج علبة سجائر ويقوم بسحب سيجارة يأخذ نفساً طويلاً ثم يتحرك حول البص كأنه يبحث عن شيء ومرات يقوم بضرب بعض إطارات البص ونحن لا نجد تفسيراً لهذه الحركة.. ثم يصعد مرة أخرى ويقوم بإطلاق بوري كأنه إنذار أخير للمسافرين.

 

نتحرك ونتسابق في سقيا الركاب، نتفحص المسافرين ونجد من سبق له العمل بالمكتب.. يأمرنا السائق بالنزول حتى نفسح المجال للمسافرين من المكتب وأغلبية من يستقلون بص الرفاهية هم المحاسبون والكتبة وكذلك بعض ممن له أغراض إن وجد مقعد شاغر.

 

يتحرك البص رويداً رويداً ونظل مشدودين بمتابعته حتى يغيب عن أنظارنا وهو يحمل أجمل وأروع موظفين عملوا بتجرد وإخلاص وصدق ووطنية، وكانوا عماد الاقتصاد السوداني ولأهل الجزيرة بإدارتهم الرشيدة لأكبر مشروع في العالم تحت إدارة واحدة…

نسال الله ان يعود المشروع لعهده السابق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى