مقالات الظهيرة

(على بلاطة) عبير دفع الله عزالدين تكتب: الورش المهنية والحرفية بالسجون… تأهيل من أجل الحياة!! 

هناك موضوعات نكتب عنها لانها تستحق الكتابة، وموضوعات اخرى نشعر ان الكتابة عنها مسؤولية.

والورش المهنية والحرفية داخل السجون من الموضوعات التي تستحق مساحة اكبر، لانها لا تتعلق بالسجون وحدها، وانما بالانسان وفرصته في الاصلاح والعودة الى المجتمع بصورة افضل.

ولان هذا الموضوع واسع ومهم، اخترت ان اتناوله في مقالين متتاليين، اتوقف في الاول عند اهمية الورش المهنية ودورها في تأهيل النزلاء، بينما اتناول في المقال الثاني آفاق تطويرها والتوسع في مجالات مهنية وحرفية جديدة، وما يمكن ان تقدمه من فرص حقيقية للنزيل بعد خروجه.

ليس كل من دخل السجن قد انتهت حكايته، وليس كل من اغلق خلفه باب الزنزانة قد اغلق في وجهه باب الحياة.

فالسجن ليس جدرانا وابوابا حديدية فقط، ولا ينبغي ان تكون مهمته محصورة في تنفيذ العقوبة.

هناك انسان في الداخل يحتاج الى ان يراجع نفسه، وان يكتشف قدراته، وان يجد فرصة لتغيير واقعه. ومن بين اكثر الوسائل التي يمكن ان تساعده على ذلك، تأتي الورش المهنية والحرفية.

قد تبدو المسألة في ظاهرها بسيطة: نزيل يتعلم النجارة، او الحدادة، او الخياطة، او صيانة السيارات، او الكهرباء. لكن المعنى اعمق بكثير من مجرد تعلم حرفة.
حين يتعلم الانسان مهنة، فهو يتعلم قيمة الوقت والانضباط والصبر والالتزام، ويشعر انه لا يزال قادرا على الانتاج والعطاء.

وهذه واحدة من اهم الرسائل التي يمكن ان تقدمها الورش داخل السجون، ان العقوبة لا تعني ان الانسان فقد قدرته على الاصلاح.

ولعل هذا هو المعنى الاكثر انسانية في فكرة الورش، ان نعطي النزيل شيئا يستطيع ان يعتمد عليه بعد انتهاء العقوبة، بدلا من ان نتركه امام مجتمع قد لا يكون مستعدا لمنحه فرصة ثانية.

تظل تجربة الورش وبرامج التدريب والتأهيل داخل المؤسسات العقابية جديرة بالاهتمام والبناء عليها، خاصة مع ما شهدته بعض الولايات من جهود في هذا المجال، لتؤكد ان تطويرها يمكن ان يصنع فرقا حقيقيا بالاهتمام والتنسيق مع الجهات المختصة.

تصبح الورش جزءا من مشروع اعادة بناء الانسان، لا مجرد نشاط داخل مؤسسة عقابية. فالحديث عن الورش المهنية داخل السجون يفتح ابوابا واسعة للتطوير، سواء في نوعية المهن او اساليب التدريب او الشراكات او فرص العمل بعد الخروج.
وهذا ما يجعل القضية جديرة بمساحة اكبر من مقال واحد.

فالورش يمكن ان تتوسع، والمهن يمكن ان تتنوع، والتدريب يمكن ان يرتبط باحتياجات سوق العمل، والشراكات يمكن ان تمتد الى مؤسسات التعليم والتدريب والقطاع الخاص، ويمكن ان يصبح للنزيل مسار واضح يبدأ من التدريب ولا ينتهي عند بوابة السجن.

لكن ذلك حديث يحتاج الى مساحة اخرى.
في المقال القادم باذن الله، سأحاول الحديث عن آفاق تطوير الورش المهنية والحرفية داخل السجون، والمجالات الجديدة التي يمكن ادخالها، وكيف يمكن الانتقال من مجرد التدريب الى الانتاج، ومن الانتاج الى فرصة عمل، ومن فرصة العمل الى مشروع حياة جديد.

لاننا اذا اردنا اصلاحا حقيقيا، فعلينا الا نعرف فقط كيف نعاقب من اخطأ،بل علينا ايضا ان نعرف كيف نساعده على الا يعود الى الخطأ.
*يتبع…*

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى