علاء الدين محمد ابكر يكتب… ظاهرة سرقة قماش الكفن في الماضي!!
في قديم الزمان وفي فترات القحط والحروب والانهيار الاقتصادي، كان الموت لا يعني نهاية المعاناة دائماً. فإلى جانب ألم الفقد، واجهت بعض المجتمعات ظاهرة مؤلمة وموجعة: سرقة قماش الكفن من القبور. لم تكن جريمة ضد قماش، بل كانت مرآة صادقة تعكس حجم البؤس الذي وصل إليه الإنسان حين ينهار كل شيء حوله.
تخيل مشهداً تكرر في قرى كثيرة قبل قرون. يُدفن الميت عصراً، وفي منتصف الليل تتسلل أقدام خائفة إلى المقبرة. لا تبحث عن ذهب ولا عن مال، بل تبحث عن قطعة قماش بيضاء. تُنبش الحفرة، ويُنزع الثوب عن جسد ساكن، ثم يُعاد إغلاق القبر على عجل. وفي الصباح تُباع تلك القطعة في السوق بدراهم معدودة، ليشتري بها فاعلها خبزاً لأطفال يبكون من الجوع.
لم تكن هذه الأفعال تصدر عن وحوش، بل عن بشر دفعهم اليأس إلى الحافة. كان الدافع الأول والأكبر هو الفقر المدقع. في سنوات المجاعات، حين يغيب الخبز ويغيب الدفء، يتغير ميزان الأشياء في عقل الإنسان. يصبح القماش سلعة، ويصبح الستر ترفاً لا يطيقه الحي. كان بعضهم يسرق الكفن ليبيعه، وآخرون ليخيطوا منه ثوباً يستر عورة طفل يرتجف من البرد.
الدافع الثاني كان اقتصادياً بحتاً. قبل عصر المصانع، كان النسيج عملاً يدوياً مكلفاً. الثوب الأبيض النظيف كان غالياً ونادراً. أكفان الأعيان المصنوعة من الكتان والحرير كانت تساوي ثروة صغيرة. فظهرت عصابات متخصصة تترصد الجنائز الغنية، لتنبش القبور ليلاً وتعيد بيع الأكفان للتجار.
أما الدافع الثالث فكان الجهل وتجارة الوهم. روج بعض المحتالين بين الناس أن لقطعة من كفن الميت قوة خاصة، وأنها تجلب الحظ أو تمنع العين أو تشفي المرض. فتحول الميت من إنسان إلى بضاعة، وتحول قبره إلى متجر. وهنا لم تعد المسألة مسألة جوع، بل انحدار في الوعي الإنساني.
ساعد على انتشار الظاهرة غياب القانون والحماية. كانت أغلب المقابر تقع خارج المدن، بلا أسوار ولا حراسة. وفي ظلام الليل وغياب الدولة، كان من السهل على ضعاف النفوس أن ينتهكوا حرمة الموتى.
لكن المجتمعات التي تعافت تعلمت من هذا الجرح. مع استقرار الأوضاع، وتوفر الأقمشة الرخيصة، وظهور قوانين صارمة، وحراسة المقابر، تراجعت الظاهرة واختفت تقريباً. وأدرك الناس درساً قاسياً: لا كرامة لميت في مجتمع يهين أحياءه.
وإذا تأملنا اليوم، نجد أن “سرقة الكفن” لم تنتهِ، بل تغيرت صورتها. صرنا نراها حين تُسرق أموال الدواء والغذاء، وحين تُنتهك خصوصية إنسان غائب لا يستطيع الدفاع عن نفسه، وحين ننسى الفقراء وهم أحياء ثم نقيم لهم الخطب بعد موتهم. كلها أشكال من نزع الستر عن إنسان عاجز.
إن قصة سرقة الكفن تذكرنا بحقيقة بسيطة وخطيرة في آن: الجوع يكسر الحواجز، والخوف يصنع الوحوش، والإهمال يحول الإنسان إلى رقم. ولهذا، فإن أضمن طريقة لحماية حرمة الموتى، هي أن نحفظ كرامة الأحياء أولاً. أن نطعم الجائع، ونعلم الجاهل، ونقوي القانون، ونوفر للإنسان الحد الأدنى الذي يجعله لا يمد يده إلى قبر جاره.
الموت حق على كل الناس. لكن المهانة ليست حقاً. والستر واجب إنساني يبدأ في الحياة، ولا ينبغي أن ينتهي عند حافة القبر.
علاء الدين محمد ابكر
alaam9770@gmail.com



