مقالات الظهيرة

عقوبة المخدرات… حين يعجز القانون عن ملاحقة حجم الجريمة

بقلم: أبوعبيدة أحمد علي

رئيس جمعية الأخوة السودانية السعودية
مجلس الصداقة الشعبية العالمية
رئيس مبادرة التكامل الشعبي بين السودان ومصر

ليست كل المقالات تُقرأ، فبعضها يُستشعر، وبعضها يوقظ في النفس وجعًا كان نائمًا، ويقيم في الضمير محكمةً لا تعرف المجاملة ولا تؤمن بالصمت. ومن هذا الضرب ما يخطه الأخ الكريم الدكتور سامي الدين محمد سعيد في سلسلة مقالاته عن الآثار الاجتماعية للحرب؛ فقد جعل من قلمه مصباحًا يفتش في زوايا الظلام، ومن كلماته صيحةً تُنذر قبل أن يقع البلاء، وتستصرخ قبل أن يستحكم الداء.

وإذا كانت الحروب تُسقط المدن بالقذائف، فإن المخدرات تُسقط الأمم من داخلها، في صمتٍ لا تسمعه المدافع، وفي هدوءٍ أشد فتكًا من ضجيج البنادق. فكم من بيتٍ لم تهدمه الحرب، هدمته حبة مخدر! وكم من أمٍ لم تبكِ ولدها في ساحات القتال، لكنها بكت عقله وهو يذوب بين أنياب الإدمان! وكم من وطنٍ بقيت حدوده آمنة، بينما كانت حدوده الأخلاقية تُخترق كل يوم على أيدي تجار لا يعرفون لله حرمة، ولا للإنسان كرامة.

إن تاجر المخدرات ليس بائعًا لبضاعة محرمة فحسب، بل هو تاجر خراب، ومهندس شقاء، وسارق أعمار. يزرع في الأرض بذور الموت، ثم ينتظر موسم الحصاد ليجمع الذهب من دموع الأمهات، ومن انكسار الآباء، ومن ضياع الشباب. وما أقسى أن يصبح ألم الناس تجارة، وأن تتحول دموع الأسر إلى أرصدة تتضخم في حسابات المفسدين.

ولهذا فإنني أقف طويلًا أمام سؤالٍ يؤرق الضمير: هل العقوبات القائمة اليوم تكافئ حجم الجريمة؟ وهل يساوي من استُدرج إلى التعاطي، فصار أسيرًا للإدمان، بمن نصب شباكه لاصطياد الأبرياء، وأدار شبكات السموم، وجعل من عقول الشباب سوقًا لبضاعته الآثمة؟

إن الرحمة بالضحية عدل، ولكن الرحمة بالمجرم على حساب المجتمع ظلم. والمتعاطي، في كثير من الأحوال، يحتاج إلى يدٍ تنتشله، وطبيبٍ يعالجه، وأسرةٍ تحتضنه، ومجتمعٍ يفتح له باب الرجوع. أما من جعل الإفساد مهنة، والإجرام صناعة، وإهلاك الناس وسيلةً للثراء، فإن المجتمع لا يحميه التساهل، وإنما تحميه عدالةٌ قوية، وقوانين رادعة، وقضاءٌ لا يساوم على أمن الأمة.

وما يزيد القلب وجعًا أن يُقال إن بعض تجار السموم يجدون من أسباب الراحة داخل أماكن الاحتجاز ما لا يجده الشرفاء خارجها، أو أن يتمكن بعضهم – إن ثبت ذلك بحكم التحقيق والقانون – من مواصلة إدارة شبكاتهم من خلف الأسوار. فالسجن الذي لا يقطع يد الجريمة عن المجتمع، لا يؤدي رسالته كاملة، والعقوبة التي لا تمنع المجرم من تكرار فعله، تفقد جانبًا من حكمتها.

ثم إن جمع المتعاطي بالمروج، والمروج برأس الشبكة، ليس إصلاحًا بقدر ما قد يكون مدرسةً يتلقى فيها الضعيف دروس الإجرام، ويتحول فيها المنكسر إلى محترف، ويخرج بعض الداخلين بجرم صغير وهم يحملون مشروع جريمة أكبر. والسجون إنما أقيمت للإصلاح قبل العقاب، ولحماية المجتمع قبل حماية المجرمين.

وقد جعل الإسلام حماية المجتمع مقصدًا عظيمًا، وحذر من الإفساد في الأرض أشد التحذير، فقال سبحانه وتعالى:

**﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾.

وقد تناول الفقه الإسلامي مفهوم الإفساد في الأرض في سياقات متعددة، ويظل تنزيل الأحكام على الجرائم والأشخاص من اختصاص القضاء المختص، وفق الشريعة والقانون، وبعد استكمال الضمانات والإجراءات المقررة.

إن الحرب على المخدرات ليست حربًا على مادةٍ جامدة، وإنما هي حرب على مشروعٍ يستهدف الأمة في عقلها، وأخلاقها، ومستقبلها. فإذا ضاع الشباب، فلمن نبني المدارس؟ وإذا فسد العقل، فلمن نقيم المصانع؟ وإذا انهارت القيم، فمن يحرس الأوطان؟

ولذلك فإن الواجب يقتضي مراجعةً جادة للتشريعات، وتطويرًا لوسائل المكافحة، وتجفيفًا لمنابع التمويل غير المشروع، وتمكينًا لبرامج العلاج والتأهيل، حتى لا يبقى الشاب الذي غرر به أسيرًا لخطأٍ واحد، ولا يبقى تاجر السموم مطمئنًا إلى أن أرباحه أعظم من عقوبته.

كما أن قيام مجلس أعلى لمكافحة المخدرات، يضم أهل الاختصاص في العدالة والأمن والصحة والتربية والمجتمع، قد يكون خطوةً مهمة في بناء رؤية وطنية متكاملة، تجعل الوقاية شقيقةً للعلاج، والردع قرينًا للعدالة، وحماية الإنسان غايةً لا تغيب.

أيها السادة…

إن الأمم لا تموت حين تفتقر، وإنما تموت حين يُغتال ضميرها، ويُستباح شبابها، ويصبح الموت تجارةً رابحة، والصمت فضيلةً مزعومة.

فيا حراس العدالة… شدوا على القانون حتى يكون هيبةً للمجرم، ورحمةً للبريء.

ويا علماء الأمة… ارفعوا أصواتكم حتى يعلم الناس أن حماية الإنسان عبادة، وأن صيانة العقل من أعظم مقاصد الشريعة.

ويا شباب السودان… إن الوطن الذي ينتظر سواعدكم، لا يرضى لكم أن تكونوا أسرى لحبةٍ تسرق منكم العمر، وتبيعكم للوهم.

نسأل الله أن يحفظ السودان من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يقي أبناءه شر المخدرات، وأن يرزق القائمين على أمر البلاد البصيرة والعدل والحزم، إنه نعم المولى ونعم النصير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى