فوق كل إرادة إرادة الله…. حين يريد الله لك أمراً فلا قوة في الأرض تستطيع منعه!!

بقلم /ابايزيد الشيخ الطيب :
علمتني الحياة أن الإنسان قد يخطط ويدبر ويحسب خطواته بدقة ويظن أن الأمور كلها تسير وفق ما يريد ولكنني تعلمت أيضاً أن فوق كل تدبير بشري تدبير الله وفوق كل إرادة إرادة الله وفوق كل قوة قوة الله
علمت أن رزقي لن يأخذه غيري فاطمأن قلبي
وعلمت أن قدري لن يغيره قلقي فهدأت نفسي
وعلمت أن راحتي في ذكر الله فذكرته
وعلمت أن عمري لن أعيش بعده فطابت دنياي
وعلمت أن الصبر باب من أبواب الفرج وأن صبري لا يضيع عند الله فصبرت وأيقنت أن ربي هو ناصري ومعيني
كلا إن معي ربي سيهدين
ما أجمل أن يصل الإنسان إلى مرحلة من اليقين يدرك فيها أن ما كتبه الله له سيأتيه ولو اجتمع أهل الأرض على منعه وأن ما لم يكتبه الله له لن يناله ولو اجتمع أهل الأرض على إعطائه
ولعل قصة يوسف عليه السلام من أعظم القصص التي تعلمنا أن إرادة الله لا يغلبها تدبير البشر
أراد إخوة يوسف أن يقتلوه فلم يمت
وأرادوا أن يلقوه في غيابة الجب فكان الجب بداية طريقه إلى المجد
وأرادوا أن يمحوا أثره من حياة أبيه فعاش يوسف في قلب أبيه ولم يخرج منه
ثم بيع بثمن بخس ليكون مملوكاً فإذا به يصبح عزيزاً
ودخل السجن مظلوماً فإذا بالسجن يصبح طريقاً إلى الملك والتمكين
وتبدلت كل المؤامرات إلى أبواب للقدر الجميل
لقد ظنوا أن القصة انتهت عندما ألقوه في البئر لكنها عند الله كانت قد بدأت
وهكذا قد يحدث معنا
قد يغلق إنسان في وجهك باباً فيفتح الله لك أبواباً لم تكن تراها
وقد يبعد عنك شخصاً كنت تظن أن حياتك لا تكتمل بدونه فيعوضك الله بما هو خير
وقد تتأخر أمنية طال انتظارها حتى تظن أنها لن تأتي ثم يأتيها أمر الله في لحظة لا تتوقعها
وقد تمر بمحنة تظن أنها كسرتك فإذا بها تصنع منك إنساناً أقوى وأعمق وأكثر قرباً من الله
لذلك لا تقلق كثيراً من تدابير البشر
فالإنسان يدبر والله يدبر
والإنسان يخطط والله يقدر
والإنسان يرى اللحظة والله يرى النهاية
وقد يسعى بعض الناس لإيذائك أو إبعادك أو تشويه صورتك أو قطع طريقك ولكن تذكر دائماً أن تدبير البشر لا يستطيع أن يتجاوز مشيئة الله
قال تعالى
﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾
وقال سبحانه
﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾
فلا تجعل قلبك أسيراً للخوف من الناس ولا تجعل نومك رهينة لما يفعله الآخرون
حتى لو اجتمعوا عليك وحتى لو بالغوا في التدبير وحتى لو استعانوا بمن لا يخاف الله فلن يقع عليك إلا ما كتب الله لك
قال تعالى
﴿وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾
وهنا يظهر معنى التوكل الحقيقي
التوكل ليس أن تجلس بلا عمل
وليس أن تترك الأخذ بالأسباب
وإنما أن تعمل وتأخذ بالأسباب ثم تسلم النتيجة لله
أن تقول بقلب مطمئن
يا رب فعلت ما أستطيع وأنت أعلم بما لا أستطيع
يا رب إن كان هذا الأمر خيراً لي فاقدره لي وإن كان شراً فاصرفه عني واصرفني عنه
يا رب لا تجعل قلبي متعلقاً بتدبير البشر وأنا أعلم أن تدبيرك فوق كل تدبير
إن أراد الله أمراً فلا راد لأمره
وإذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون
فكم من إنسان ظن أنه انتصر لأنه استطاع أن يؤذي غيره ثم اكتشف بعد سنوات أن الله كان يحفظ المظلوم ويهيئ له طريقاً آخر
وكم من إنسان ظن أنه أغلق كل الأبواب فإذا بالله يفتح باباً لم يكن في حسابه
وكم من مظلوم بكى في الليل ودعا الله بقلب منكسر ثم جاءه نصر الله من حيث لا يحتسب
لهذا لا تستعجل
اصبر
واطمئن
وادع الله
ولا تجعل قلقك أقوى من يقينك
فما دام الأمر بيد الله فلا تخف من المستقبل
وما دام رزقك على الله فلا تحزن على ما فاتك
وما دام قدرك بيد الله فلا تستنزف قلبك في القلق
وما دام عمرك مكتوباً فلا تخف من الغد
وما دمت تعرف أن الله لا يضيع أجر الصابرين فاصبر
فربما كان ما تراه اليوم كسراً هو بداية جبر عظيم
وربما كان ما تراه تأخيراً هو حماية
وربما كان ما تراه خسارة هو نجاة
وربما كان ما تراه نهاية هو بداية جديدة كتبها الله لك
فاطمئن
ليس مطلوباً منك أن تعرف كيف ستأتي الإجابة
المطلوب منك أن تثق بمن يملك الإجابة
ليس مطلوباً منك أن تعرف كيف سينقلب الحال
المطلوب منك أن تؤمن أن الله على كل شيء قدير
وليس مطلوباً منك أن تهزم كل من يعاديك
يكفي أن يكون الله معك
﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾
فإذا كان الله معك فمن عليك
وإذا كان الله نصيرك فمن يستطيع أن يغلبك
وإذا كان الله قد كتب لك أمراً فمن يستطيع أن يمنعه
وإذا كان الله قد صرف عنك أمراً فمن يستطيع أن يأتيك به
إنها راحة اليقين
أن تعيش وأنت تعلم أن لك رباً لا ينام ولا يغفل
رباً يعلم ما في قلبك قبل أن تنطق
ويرى دمعتك قبل أن تسقط
ويعلم ظلمك قبل أن تشتكي
ويعلم حاجتك قبل أن تسأل
فاشكر ربك على ما أعطاك
واصبر على ما منعك
وارض بما قسم لك
وأحسن الظن به
ثم قل من أعماق قلبك
يا رب إني سلمت أمري إليك
فلا تكلني إلى نفسي
واكتب لي الخير حيث كان
واجعل قلبي مطمئناً بك
واجعل يقيني بك أكبر من خوفي من خلقك
واجعلني ممن إذا ضاقت بهم الدنيا وجدوا سعتها في رحمتك
فالله فوق كل إرادة
والله فوق كل تدبير
والله فوق كل قوة
والله فوق كل حساب
﴿وَاللَّهُ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾
فالحمد لله الذي بيده الأمر كله
والحمد لله الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء
والحمد لله الذي يجعل بعد العسر يسراً
والحمد لله رب العالمين



