عباس حديبة يكتب… لوري ود علي الجاك… و مولانا احمد هارون… حين تشق الكلمة وحل السياسة!!

في زمنٍ كانت فيه السيارات تُعدّ على أصابع اليد، كان محمد ود علي الجاك ملء السمع والبصر، وحديث السائقين وعشاق القيادة. كان قائداً شرساً لا يعرف لينًا مع الحديد، يمتدح الناس فيه صرامته، رزانته، واحترافيته الفائقة في ترويض عربات “البدفورد” التي كنا نسميها آنذاك “السفنجة”. بمخيلتنا الغضة كأطفال، كنا نظن ب براءة أن “السفنجة” هي الأنثى وأن “الآوستن” هو الذكر، لكن ود علي الجاك جعل “السفنجة” في عيوننا هي الكيان الأقوى والأعتى بفضل جسارته وخلف مقودها.
كنا في مواسم الخريف العاتية، نترقب مشهد “الوحل” بشغف طفولي، إذ كان يمثل لنا المتنزه الأوحد ومسرح الإثارة. وحين تنجلي المعركة وينتصر على الطين، نعود إلى بيوتنا لنتسامر ببطولات هذا الرجل الذي كنا نراه كائناً أسطورياً قادماً من عالم الخيال.
كان ود علي الجاك إذا اقتحم الوحل، ترك في الأرض جرحاً غائراً وشرخاً عميقاً لا يمحوه إلا خريف جديد، وكان يزرع رهبة في نفوس بقية السائقين، تجعلهم يهابون السير في خطاه أو وطء دربه، حتى وإن جفّ الطريق.. كانت هيبة تصنع عقدة نفسية ل منافسيه.
ما أشبه الليلة بالبارحة! وما ساقني إلى هذه الذاكرة المضمخة بالطين والبطولة، إلا حديث مولانا أحمد هارون الأخير، الذي تجلت فيه قوة الكلمة كقذيفة غيرت موازين اللعبة.
لقد أعاد أحمد هارون “ضبط إعدادات” المشهد السياسي، تاركاً “القحاطة” في ذهول صامت، ومحدثاً في صفوفهم ألماً بالريادة. بكلمات رصينة كأنها شاحنة ود علي الجاك، اقتحم هارون وحل هذه المرحلة السياسية المعقدة، وشق فيها طريقاً وبصمة لا يجرؤ أحد على محوها. لقد خرب عليهم مساراتهم، وترك خلفه شرخاً في جدار خططهم لا تداويه الأيام.
والآن.. يقف الجميع على قارعة الطريق المشقوق، يترقبون في وجل: مَن القادم؟ وهل يملك أحدهم الجسارة ليطأ نفس الدرب، أم أن خطى مولانا ستبقى كخطى ود علي الجاك عصية على التقليد، وماركة مسجلة باسم الكبار فقط؟
بالتأكيد لقد تم التلاعب في اعدادات (قحت)



