د. عبد الرؤوف قرناص يكتب… يا وزير الزراعة… التحدي هو وقف استيراد القمح وليس الفول المصري

صدر قرار من وزير الزراعة بوقف استيراد الفول المصري، حمايةً للاقتصاد الوطني، ولا أدري كم تبلغ فاتورة استيراد الفول حتى تستدعي كل هذا التدخل الوزاري، واعتبارها من البنود التي ترهق الخزينة العامة.
المثل السوداني يقول: «عينك في الفيل… تطعن ضلّه».
والفيل الذي أتحدث عنه هنا هو فاتورة القمح التي تقترب من المليار دولار سنويًا، وهي الفاتورة التي تستحق أن تكون في مقدمة أولويات وزارة الزراعة والحكومة والقطاع الخاص.
وهنا مربط الفرس:
أيهما أكثر تهديدًا للاقتصاد الوطني: فاتورة القمح أم فاتورة الفول المصري؟
لا أريد أن أقلل من أهمية أي سلعة أو من ضرورة ترشيد الاستيراد، ولكن عندما تكون لدينا مساحات زراعية شاسعة، ومياه وأراضٍ صالحة للزراعة، وموسم شتوي على الأبواب، فإن السؤال الأكبر يجب أن يكون: متى يتوقف السودان عن استيراد القمح؟
والأهم من قرار وقف استيراد الفول أن تخرج علينا وزارة الزراعة بأرقام واضحة تقول لنا: كم فدانًا ستزرع قمحًا هذا الموسم؟
وما المساحات المستهدفة في الجزيرة والنيل الأبيض ونهر النيل والشمالية؟
وما الإنتاجية المستهدفة للفدان؟ وكم طنًا نتوقع إنتاجه؟ وكم ستوفر هذه الكميات من فاتورة الاستيراد؟
نريد خطة مكتملة الأرقام، لا مجرد قرارات منع.
أما الفول، فهو ليس سلعة هامشية في حياة السودانيين. إنه الوجبة الرئيسية لملايين الأسر، بل إن هناك أسرًا دفعها الغلاء إلى أن يكون الفول إفطارها وعشاءها، ليس اختيارًا ولا ترفًا، وإنما لأنه في متناول قدرتها الشرائية المحدودة.
ولهذا فإن وقف الاستيراد دون أن تخبرنا الوزارة أولًا من أين سيأتي البديل، وبأي سعر، وبأي جودة، ومتى سيصل إلى الأسواق يفتح بابًا آخر من الأسئلة.
هل لدينا إنتاج محلي يكفي الاستهلاك؟
هل أعلنت الوزارة أرقام إنتاج الفول المحلي؟
هل لدينا مخزون كافٍ؟
وهل تمت دراسة أثر القرار على أسعار الغذاء وعلى المواطن الذي أصبح يحسب قيمة كل وجبة؟
يا سعادة الوزير…
دع الفول في حاله، واذهب إلى الفيل.
اذهب إلى القمح الذي يستنزف العملة الصعبة، وإلى فاتورة الاستيراد التي يمكن أن تتحول، إذا أحسنا التخطيط، إلى فاتورة إنتاج محلي.
نريد أن نسمع من وزارة الزراعة أن السودان قد أعد العدة للموسم الشتوي، وأن هدفه ليس مجرد زيادة المساحات المزروعة، وإنما الوصول إلى الاكتفاء الذاتي من القمح، ثم الانتقال من الاكتفاء إلى التصدير.
هذه هي المعركة الحقيقية.
فالاقتصاد الوطني لا تحميه القرارات التي تمنع سلعة واحدة من الدخول إلى البلاد فقط، وإنما تحميه زيادة الإنتاج، وتقليل الواردات، وزيادة الصادرات، وتوفير الغذاء للمواطن بسعر يستطيع تحمله.
والفول سيظل ملاذًا لكل متعفف في بلادي، ولكل أسرة لا تسأل الناس إلحافًا.
أما القمح، فهو التحدي الأكبر.
فهل نطعن ظل الفيل… أم نواجه الفيل نفسه؟
الا هل بلغت… اللهم فاشهد.



